فكل ظرف يستعمل اسماً فهذا مجازه، وما كان لا يقع إلا ظرفاً فلا يجوز الإخبار عنه؛ لأنه لا يرتفع. وكل ما خبرت عنه فلا بد من رفعه؛ لأنه خبر ابتداءٍ. فمن ذلك عند، لو قلت: زيد عندك، فقال قائل: أخبر عن قولك عندك لم يجز؛ لأنه كان يلزمك أن تقول: الذي زيد فيه عندك؛ فترفع ما لا يجوز أن يقع مرفوعاً أبداُ. وكذلك ذات مرة، وسوى، وسواء، وبعيدات بين، وسحر إذا أردت به سحر يومك وقد مرت العلة في هذه الظروف في مواضعها. وكل ما نصبته نصب الظروف لم تخبر عنه؛ لأن ناصبه قائم، وإنما تخبر عنه إذا حولته إلى الأسماء. وكذلك المصادر، كل ما تنصب منها نصب المصدر لم تخبر عنه فإن نصبته نصب الأسماء، فقد حكمت له بالرفع، والخفض في موضعهما، وجعلته كسائر الأسماء، وذلك قولك: سرت بزيد سيراً، ليس في قولك سيراً إلا ما كان في قولك: سرت إلا أن تنعته، أو تصيره معرفة، أو تفرده، أو تثنى فتقول: سرت بزيد سيراً شديداً، أو سيرةً واحدةً، أو سيرتين، أو السير الذي تعلم. فإذا أوقعت فيه الفائدة فالباب فيه التصرف. وتقول: سير بزيد سيرٌ شديد، وسير بزيد سيرتان. فإن قلت: سير بزيد سيراً فالنصب الوجه، والرفع بعيد؛ لأنه توكيد، وقد خرج من معاني الأسماء. قال الله - عز وجل - : " فإذا نفخ في الصور نفخةٌ واحدةٌ " فرفع لما نعت. فإذا أخبرت عن الصور قلت: المنفوخ فيه نفخةٌ واحدة الصور. وإن أخبرت عن النفخة قلت: المنفوخة في الصور نفخةٌ واحدةٌ. وتقول: سير بزيد فرسخٌ إذا أقمته مقام الفاعل. فإن قيل: أخبر عنه، قلت: المسير بزيد فرسخٌ. فإن قيل: أخبر عن زيد قلت: المسير به فرسخٌ زيدٌ. وإن قلت: سير بزيد فرسخا، فنصبته نصب الظروف، ولم تقمه مقام الفاعل لم يجز الإخبار عنه. وكذلك سير بزيد يوماً، وسير بزيد سيرا. وكل ما لم تجعله من مصدر، أو ظرف اسماً فاعلاً أو مفعولاً على السعة لم يجز الإخبار عنه؛ لأن ناصبه معه؛ ألا ترى أنك إذا قلت: سير بزيد سيرا، فجعلت قولك بزيد تماماً فإنما هو على قولك: يسيرون سيراً. وإنما يكون الرفع على مثل قولك: سير بزيد يومان، وولد له ستون عاماً. فالمعنى: ولد لزيد الولد ستين عاماً، وسير به في يومين، وهذا الرفع الذي ذكرناه اتساعٌ. وحقيقة اللغة غير ذلك. قال الله عز وجل: " بل مكر الليل والنهار " ، وقال الشاعر:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
وقال:
فنام ليلي وتقضى همي
وقد استقصينا هذا في بابه، وإنما نذكر منه شيئاً للإخبار. فمن جعل اليوم ونحوه ظرفاً قال: اليوم سرت فيه؛ لأنه قد شغل الفعل عنه، فرد إليه ضميره على معناه. ومن جعله اسماً على الاتساع قال: اليوم سرته؛ كما تقول: زيد ضربته. فمن ذلك قوله:
ويومٍ شهدناه سليماً وعامراً ... قليلٍ سوى الطعن النهال نوافله
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
154 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق