وذلك قولك: ضربت، وضربني زيد. إذا أعملت الآخر فاللفظ معرًّى من المفعول في الفعل الأول، وهو في المعنى عامل، وكان في التقدير: ضربت زيداً، وضربني زيدٌ، فحذف، وجعل ما بعده دالاً عليه. وقد مضى تفسير هذا في بابه. فالعرب تختار إعمال الآخر؛ لأنه أقرب، وتحذف إذا كان فيما أبقوا دليل على ما ألقوا. قال الله عز وجل: " والذاكرين الله كثيراً والذاكرات " ، وقال: " والحافظين فروجهم والحافظات " . فالفعلان فارغان في اللفظ، معملان في المعنى. قال الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف
أراد: نحن راضون بما عندنا. فإذا أعملت الأول قلت: ضربت، وضربني زيدا، فإن قدمت ضربني قلت في إعمال الآخر: ضربني، وضربت زيدا قدمت الفعل مضمراً فيه الفاعل؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل، والذي بعده تفسيرٌ له، وهو من المضمر المتقدم على شريطة التفسير. وقد قلنا في هذا في موضعه ما يغني عن إعادته. وتقول: أعطيت، وأعطاني زيد درهماً، إذا أعملت الأخير. فإن أعملت الأول قلت: أعطيت وأعطانيه زيدا درهما. تريد: أعطيت زيدا درهما، وأعطانيه. وإعمال الأول في المسألة الأولى: ضربني، وضربته زيد. تريد: ضربني زيدٌ، وضربته. وتقول: ظنني، وظننت زيدا منطلقاً إياه. لا يكون إلا ذلك؛ لأن ظننت إذا تعدى إلى مفعول لم يكن من الثاني بدٌّ، فهكذا إعمال الأخير، ولم يجز أن تقول: إياه قبل أن تعطف؛ لأنك لا تضمر المفعول قبل ذكره. وإنما أضمرت الفاعل قبل فعله اضطراراً؛ لأنه لا يخلو فعلٌ من فاعل. فمن ثم وضعت إياه مؤخراً لما تقدم ما يرد الضمير إليه، وهو قولك: منطلق. فإن أعملت الأول، وقدمت ظننت، قلت: ظننت وظننيه زيدا منطلقا. أردت: ظننت زيدا منطلقا، وظننيه، وإن شئت وظنني إياه. وتقول: ظننت، وظناني منطلقاً أخويك منطلقين، على إعمال الأول، والتقدير: ظننت أخويك منطلقين، وظناني منطلقا، والضمير لا يكون هاهنا؛ لأن خبر الأخوين مخالفٌ لما يكون للواحد.وإن أعملت الآخر قلت: ظننت وظنني أخواك منطلقاً. أعملت الآخر، والأول فارغٌ في اللفظ، وهو في المعنى معمل لدلالة ما بعده عليه. وإنما يجب إذا تعدى الظن إلى المفعول الأول أن يتصل بالثاني؛ لأن الأول والثاني في محل الابتداء، وخبره. فالأول مذكورٌ ليرد إليه ما استقر له عند القائل من يقينٍ أو شك. ألا ترى أن قولك: ظننت زيداً منطلقا إنما وقع الشك في الانطلاق، والتقدير: زيدٌ منطلق في ظني. وقد مضى هذا مفسراً في أول الكتاب. وإنما ذكرنا هاهنا منه شيئاً ليصل به الإخبار عنه إن شاء الله. إذا قال القائل: ضربت وضربني زيداً. يريد: ضربت زيداً وضربني، فإن الإخبار عن التاء في قول جميع النحويين، إلا أن أبا عثمان المازني يقول في هذا الباب قولاً لم يقله أحدٌ، وقوله صحيحٌ يتبينه من سمعه، ويعلم أن ما كان اصطلاحاً.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
156 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق