واعلم أن من الأسماء أسماءً محتملة لا تنفصل بأنفسها. فمتى ما سمع منها شيءٌ علم أن صوابه أن يكون محمولاً على غيره، وذلك قولك: جاءني رجلٌ آخر، ولا يجوز هذا إلا أن تكون قد ذكرت قبله رجلا، فتقول: جاءني فلانٌ ورجلٌ آخر، أو يقول القائل: هل جاءك فلان؟ فتقول: جاءني رجلٌ آخر. وكذلك:سائر كذا وكذا. لا يكون إلا مضافاً إلى شيءٍ قد ذكر بعده. تقول: رأيت الأمير دون سائر الأمراء، وجاءني عبد الله. وتأخر عني سائر إخوتي، إذا كان عبد الله أخاك، فإن لم يكن أخاك لم تجز المسألة إذا لم يكن بعضا أضفت السائر إليه. ولو قلت: أتتني جاريتك وامرأة أخرى كان غير جائز. فإن قلت: أتاني أخوك، وإنسان آخر جاز وإن عنيت بالإنسان امرأة؛ لأن الباب الذي ذكرتها به يجمعها. وكذلك: جاءتني جاريتك وإنسان آخر، وأنت تعني بالإنسان رجلاً فهو جيد بالغ. فأما قوله:
صلى على عزة الرحمن وابنتها ... ليلى وصلى على جاراتها الأخر
فإنه جعل ابنتها جارة لها، ولولا ذلك لم يجز. ألا ترى إلى قول الله عز وجل: " فعدةٌ من أيامٍ أخر " لما قدم من ذكر الأيام. وكذلك: " منه لآياتٌ محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهاتٌ " . فهذا باب هذا. وكان حد آخر أن يكون معه من كذا، وكذا إلا أن أفعل يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون نعتاً قائماً في المنعوت، نحو: أحمر، وأصفر، وأعور. والوجه الآخر: أن يكون للتفضيل، نحو: هذا أفضل من زيد، وأكبر من عبد الله فإن أردت هذا الوجه لم يكن إلا أن تقول: من كذا، كذا، أو بالألف واللام؛ نحو: هذا الأصغر، والأكبر. فأما قوله في الآذان: الله أكبر، فتأويله: كبير؛ كما قال عز وجل: " وهو أهون عليه " . فإنما تأويله: وهو عليه هين؛ لأنه لا يقال: شيءٌ أهون عليه من شيءٍ. ونظير ذلك قوله:
لعمرك ما أدري وإني لأوجلعلى أينا تعدو المنية أول
أي: إني لوجل. فأما إذا أردت من كذا وكذا فلا بد من منه أو الألف واللام؛ كقولك: جاءني زيد ورجل آخر، إنما معناه: آخر منه. ولكن علم أن الآخر لا يكون إلا بعد مذكور أو بعد أول، فلم يحتج إلى منه. والدليل على أن الأصل هذا قولهم في مؤنثه: أخرى؛ كما تقول: هذا أول منك، وهذه الأولى، والأوسط، والوسطى، والأكبر والكبرى. فلولا أن آخر قد استغنى فيه عن ذكر من كذا لكان لازماً؛ كما يلزم قولك: هذه أول من ذاك؛ ولذلك قلت: في أخر بغير الصرف؛ لأنها محدودة عن وجهها؛ لأن الباب لا يستعمل إلا بالألف واللام أو من كذا. فلما سقط، من كذا سقط ما يعاقبه، فلم يصرف. قال الله عز ذكره: " وأخر متشابهاتٌ " فلم يصرف. وقال: " فعدةٌ من أيامٍ أخر " ، فلم يصرف. فهذان دليلان بينان مع المعنى الذي يجمعه.
واعلم أن أفعل إذا أردت أن تضعه موضع الفاعل فمطرد. فمن ذلك قوله:
قبحتم يا آل زيد نفرا ... ألأم قومٍ أصغراً وأكبرا
يريد: صغيراً وكبيراً. فهذا سبيل هذا الباب.
هذا باب
مسائل أفعل مستقصاةً بعد ما ذكرنا من أصوله
تقول: مررت برجل خيرٌ منك أبوه، وجاءني رجل خيرٌ منك أخوه، ورأيت رجلاً أفضل منك أخوه. يختار في هذا الرفع والانقطاع من الأول؛ لأنه ليس اسم الفاعل الذي يجري على الفعل؛ نحو: فاعل وما أشبه ذلك مما هو اسم الفاعل، نحو: مررت برجلٍ حسنٍ أبوه؛ لأنه اسم من حسن يحسن، ومررت برجلٍ كريمٍ أبوه لأنه من كرم كضارب من ضرب. وأفضل فيه معنى الفعل، فإن أجريته على الأول فبذلك المعنى، كأنك قلت: يفضله أبوه. وإن لم تجره فلما ذكرت لك، وهو الباب. فإن جرى على الأول أتبعه لأنه نعت له خاصةً، وذلك قولك: مررت برجلٍ خيرٍ منك، ومررت بدرهم سواءٍ يا فتى، ومررت برجلٍ سواءٍ درهمه. فإن قلت: برجلٍ سواءٍ هو والعدم خفضت؛ لأن سواءً له خاصة. فعلى هذا يجري هذا الباب.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
187 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق