ثم نذكر المسائل، ونقول: ما رأيت رجلاً أحسن عنده زيدٌ من عمرو. فأجريت أحسن على الأول خلافاً لما ذكرت أنه المختار، ولم يجز هاهنا غيره؛ وذلك أنك إذا قلت: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فأردت أن ترفع أحسن كنت قد أضمرت قبل الذكر، وذلك لأن الهاء في قولك منه إنما هي الكحل. ولو قلت: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، كنت قد فصلت بين الكحل وما هو له بما ليس من الكلام، ووضعته في غير موضعه. فإن أخرت الكحل، فقلت: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه منه في عين زيد الكحل وأنت تقدر أن أحسن هو الابتداء، كان خطأ لمل قدمت من ضمير الكحل قبل ذكره. وإن قدرت أن يكون الكحل هو الابتداء فجيدٌ بالغ، وتأخيره كتقديمه. فكأنك قلت: ما رأيت رجلاً الكحل في عينه أحسن منه في عين زيد. وكذلك لو قلت: ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة كان هو الوجه إلا أن تقدم فتقول: ما من أيام الصوم إلى الله فيها منه في عشر ذي الحجة أو تأخر الصوم، ومعناه التقديم، فيكون كتأخيرك الكحل في المسألة الأولى. وتقول: زيد أفضل منه عبد الله، ورأيت زيدا أفضل منه عبد الله. أردت: رأيت زيدا عبد الله أفضل منه، فتجعله ابتداءً وخبراً في موضع المفعول الثاني. وأما قولهم: مررت برجلٍ أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون، ومررت برجلٍ خير ما يكون خيرٍ منك خير ما تكون. فهذا على إضمار إذ كان، وإذا كان، واحتمل الضمير؛ لأن المعنى يدل عليه. والتقدير: مررت برجلٍ خيرٍ منك إذا كان خير ما يكون إذا كنت خير ما تكون. ومثل هذا قولك: هذا بسرا أطيب منه تمرا، فإن أومأت إليه وهو بسر، تريد: هذا إذ صار بسرا أطيب منه إذا صار تمرا، وإن أومأت إليه وهو تمر قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، أي هذا إذ كان بسراً أطيب منه إذ صار تمراً، فإنما على هذا يوجه؛ لأن الانتقال فيه موجود. فإن أومأت إلى عنب قلت: هذا عنبٌ أطيب منه بسرٌ، ولم يجز إلا الرفع؛ لأنه لا يتنقل فتقول: هذا عنبٌ أطيب منه بسرٌ، تريد: هذا عنبٌ البسر أطيب منه. فأما هذا البيت فينشد على ضروب:
الحرب أول ما تكون فتيةً ... تسعى بزينتها لكل جهول
منهم من ينشد: الحرب أول ما تكون فتيةً يجعل أول ابتداءً ثانياً، ويجعل الحال يسد مسد الخبر وهو فتيةً فيكون هذا كقولك: الأمير أخطب ما يكون قائماً، وقد بينا نصب هذا في قول سيبويه، ودللنا على موضع الخبر في مذاهبهم وما كان الأخفش يختار، وهو الذي لا يجوز غيره. فأما تصييره فتية حالاً لأول، أول مذكر، وفتية مؤنثة، فلأن المعنى مشتمل عليها. فخرج هذا مخرج قول الله عز وجل: " ومنهم من يستمعون إليك " ؛ لأن من وإن كان موحد اللفظ فإن معناه هاهنا الجمع، وكذلك: " فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين " ، وهذا كثيرٌ جداً. ومنه قول الشاعر:
تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
أراد مثل اثنين ومثل اللذين. وقرأ القراء: " ومن تقنط منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً " . وأما أبو عمرو فقرأ: " ومن يقنط منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً، فحمل ما يلي على اللفظ، وما تباعد منها على المعنى، ونظير ذلك قوله عز وجل: " بلا من أسلم وجهه لله وهو محسنٌ فله أجره عند ربه " فهذا على لفظ من، ثم قال: " ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون " على المعنى. وهذا كثيرٌ جداً. ومنهم من ينشد:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ
يريد: الحرب فتيةٌ في هذا الوقت. ومنهم من ينشد:
الحرب أول ما تكون فتيةً
على غير هذا التفسير الأول ولكن على قوله: أول ما تكون تسعى بزينتها فتيةً، فقدم الحال. ومنهم من ينشد:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ
أراد: الحرب فتية وهي أول ما تكون. ومنهم من ينشد:
الحرب أول ما تكون فتيةً
فخبر أنها أول شيءٍ في هذه الحال. فهذه الوجوه تدل على ما بعدها. ولو قال قائل: معناه: أنها أول ما تكون إذا كانت فتية، على قياس: هذا بسراً أطيب منه تمراً، كان مجيداً. فأما قولهم: البر أرخص ما يكون قفيزاً بدرهم، والزيت أرخص ما يكون ون وين بدرهم فعلى هذا. وقولهم: أرخص ما يكون البر بستين، تأويله: الكربستين ولكنهم حذفوا الكر لعلمهم بأن التعسير عليه يقع. فكل ما كان معلوماً في القول جارياً عند الناس فحذفه جائز لعلم المخاطب. فعلى هذا فأجره.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
188 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق