ولا يكون مجازهما واحداً، ولما تحمل كل واحدٍ منهما عليه
وذلك قولك: مررت بامرأةٍ معها رجلٌ قائمةٍ يا فتى، إذا حملت ذلك على مررت بامرأة، وإن حملته على الهاء في معها قلت: رجلٌ قائمةً. والمعنى - إذا نصبت - : أنك مررت به معها في حال قيامها، فكانت المقارنة في هذه الحال. ومن ذلك: هذه دابةٌ تشتد مكسوراً سرجها. إن حملته على الضمير في تشتد، وإن حملته على دابة رفعت، فيكون نعتاً كأنك قلت: هذه دابة مكسورٌ سرجها، وفي الباب الآخر أنها تشتد في هذه الحال. وتقول: نحن قومٌ ننطلق عامدين بلد كذا، وكذا فتنصب عامدين لما في قولك ننطلق. فإن أردت أن تجريه على قوم رفعت. وقد قرأوا هذه الآية: " ويخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً " ، أي يخرج له طائره كتابا. ومن هذا الباب: مررت برجل معه صقرٌ صائدٍ به، وصائداً به. فإن قلت: مررت برجل معه امرأةٌ ضاربها ضاربته كان جيداً، وأجود منه أن تقول: مررت برجل معه امرأة ضاربته ضاربها، فيجري نعت المرأة وهو إلى جنبها، وإن شئت قلت: ضاربها للهاء في معه. وتقول: مررت برجل معه فرس راكباً برذونا، وراكبٍ على ما وصفت لك. وتقول: مررت برجل معه امرأةٌ ضاربها هو لا يكون إلا كذلك؛ لأنك أجريت النعت عليها، والفعل له. وكذلك لو قلت: مررت برجل معه امرأة ضاربته هي. لم يكن من إظهار الفاعل بدٌّ؟ لأنه الفعل جرى على غير من هو له وإنما يكون هذا الإظهار في اسم الفاعل؛ لأنه تبين فيه الإضمار، وأنه محمول على الفعل. فإن كان فعلاً لم تحتج فيه إلى إظهار. تقول: مررت برجل معه امرأة يضربها ومعه امرأة تضربه. وكذلك تقول: زيد هند ضاربته؛ لأن الفعل لها. فإن قلت: زيد هند ضاربها. قلت هو، ويجري على وجهين: إن شئت جعلت زيداً ابتداءً، وهند ابتداءً ثانياً، وضاربها خبر عن هند، والهاء والراجعة إليها، وهو إظهار فاعل، ورجوعه إلى زيد. وإن شئت جعلت قولك ضاربها ابتداءً ثالثاً، وجعلت هو خبره، وجعلتهما خبراً عن هند، وجعلت هنداً وما بعدها خبراً عن زيد. وتقول: مررت بزبد وهندٌ الضاربته، أي وهند التي تضربه، فموضعها موضع الحال بمنزلة قولك: كلمت زيدا، وعمرو عنده. فتقدير الواو: تقدير إذ؛ كما قال الله عز وجل: " يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم " أي: إذ طائفة في هذه الحال. وتقول: أنت زيد ضاربه أنت؛ لأنك ابتدأت أنت، وجعلت زيدا مبتدأ بعده، وضاربه لك، فكان مبتدأ ثالثا، وأنت خبره، وإن شئت كان خبراً عن زيد، وأنت فاعله. ولو أدخلت على هذا كان لم تغيره عن لفظه، إلا أنك تجعل زيدا مرفوعاً بكان. ولو أدخلت عليه ظننت أو أن لنصبت زيدا، وتركت سائر الكلام على حاله؛ لأنه قد عمل بعضه في بعض. فصار كقولك: كان زيد أبوه منطلق، وإن زيدا أبوه منطلق. واعلم أنك إذا قلت: كان زيد أبوه منطلق. أن أباه ومنطلقا في موضع نصب، والجمل لا يعمل فيها ما قبلها، وكذلك: كان زيد يقوم يا فتى؛ لأنه فعل وفاعل، فهو كالابتداء والخبر، فهذا مما يؤكد عندك أن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال. ولا يجوز أن تدخل بين الشيء وما يعمل فيه شيئاً مما لا يعمل فيه، نحو: أنت زيد ضاربه. إذا جعلت ضاربه جارياً على زيد، والمسائل كثيرةٌ، والأصل ما وقفتك عليه. فقس تصب إن شاء الله.
هذا باب
المصادر التي تشركها أسماء الفاعلين
ولا تكون واقعة هذا الموقع إلا ومعها من مشاهدة، فهي منصوبة على ذلك، خبراً كانت أو استفهاماً
وذلك قولك: أقائماً يا فلان وقد قعد الناس، وذلك أنه رآه في حال قيام، فوبخه بذلك. فالتقدير: أتثبت قائماً وقد قعد الناس، وليس يخبر عن قيامٍ منقضٍ، ولا عن قيام تستأنفه. وكذلك لو قال: أقياماً وقد قعد الناس، وأجلوساً والناس يسيرون، ومثله: أتخلفاً عن زيد مع بره بك وفضله. ومن ذلك قول الشاعر:
أطرباً وأنت قنسري
إنما رأى نفسه في حال طرب مع سنه، فوبخها بذلك. ولو لم تستفهم لقلت منكراً: قاعداً علم الله، وقد سار الناس، قائماً كما يرى والناس قعودٌ. فهذا لا يكون إلا لما تشاهد من الحال؛ فلذلك استغنيت عن ذكر الفعل.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
190 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق