191 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 22 مارس 2021

191 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة




واعلم أن الأسماء التي لم تؤخذ من الأفعال تجري هذا المجرى. وذلك أن ترى الرجل في حال تلون وتنقل، فتقول: أتميمياً مرة، وقيسياً أخرى، تريد: أتتحول وتتلون، وأغناه عن ذكر الفعل ما شاهد من الحال. وكذلك إن لم تستفهم قلت: تميمياً مرة - علم الله - وقيسياً أخرى. ومن ذلك قول الشاعر:
أفي السلم أعياراً جفاءً وغلظةً ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
وقال الآخر:
أفي الولائم أولاداً لواحدةٍ ... وفي العيادة أولاداً لعلات
هذا باب
ما وقع من المصادر توكيدا
وذلك قولك: هذا زيدٌ حقاً؛ لأنك لما قلت: هذا زيد فخبرت، إنما خبرت بما هو عندك حق، فاستغنيت عن قولك: أحق ذاك، وكذلك هذا زيدٌ الحق لا الباطل؛ لأن ما قبله صار بدلاً من الفعل. ولو قلت: هذا زيدٌ الحق، لكان رفعه على وجهين، وليس على ذلك المعنى، ولكن على أن تجعل زيدا هو الحق، وعلى أنك قلت: هذا زيد، ثم قلت: الحق، تريد: قولي هو الحق، لأن هذا زيد إنما هو قولك. وقد قرئ هذا الحرف على وجهين، وهو قوله عز وجل: " ذلك عيسى بن مريم قول الحق " ، وقول الحق. وتقول: هذا القول لا قولك، أي: ولا أقول قولك. فتأويل هذا: أن قولك بمنزلة هذا القول حقاً، وهذا القول غير قيلٍ باطل؛ لأنه توكيدٌ للأول. ولو قلت: هذا القول لا قولاً لم يكن لهذا الكلام معنى؛ لأنك إنما تؤكد الأول بشيءٍ تحقه، فإذا قلت: غير قيلٍ باطل، فقد أوجبت أنه حق فإذا قلت: لا قولك، فقد دللت على أنه قول باطل، فعلى هذا تؤكد. ومن ذلك: لأضربن زيدا قسما حقا. ومن ذلك قوله:
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل
لما قال: إني لأمنحك الصدود، وإنني إليك لأميل، علم أنه مقسم، فكان هذا بدلاً من قوله: أقسم قسما.
واعلم أن المصادر كسائر الأسماء، إلا أنها تدل على أفعالها فأما في الإضمار والإظهار والإخبار عنها والاستفهام، فهي بمنزلة غيرها. تقول إذا رأيت رجلاً في ذكر ضربٍ: زيدا، تريد: زيداً اضرب، واستغنيت عن قولك: إضرب بما كان فيه من الذكر، فعلى هذا إذا ذكر فعلاً. فقال: لأضربن، قلت: نعم، ضرباً شديداً. فإن لم يكن ذكر، ولا حالٌ دالة، لم يكن من الإظهار بدٌّ، إلا أن يكون موضع أمرٍ، فتضمر، وتصير المصدر بدلاً من اللفظ بالفعل، وإنما يكون ذلك في الأمر والنهي خاصة؛ لأنهما لا يكونان إلا بفعل، فتأمر بالمصدر نكرة، ومعرفة بالألف واللام والإضافة، ولذلك موضع آخر: وهو أن يكون المصدر قد استعمل في موضع الفعل حتى علم ما يراد به. ومن ذلك سقياً لزيد؛ لأن الدعاء كالأمر، والنهي وإنما أردت: سقى الله زيدا سقياً. فإن قلت ذلك لم تحتج إلى قولك: لزيد. وإن قلت: سقياً قلت بعده: لفلان؛ لتبين ما تعني، وإن علم من تعني. فإن شئت أن تحذفه حذفته. ومن ذلك قول عز وجل: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " إنما هو: فاضربوا الرقاب ضرباً، ثم أضاف. وكذلك قوله، تبارك وتعالى: " فإما مناً بعد وإما فداءً " إنما تقديره: فإما مننتم مناً، وإما فاديتم فداءً. وكذلك " وعد الله حقاً " و " صنع الله " .
واعلم أن من المصادر مصادر تقع في موضع الحال، وتغني غناءه، فلا يجوز أن تكون معرفة؛ لأن الحال لا تكون معرفة. وذلك قولك: جئتك مشياً، وقد أدى عن معنى قولك: جئتك ماشيا، وكذلك قوله عز وجل: " ثم ادعهن يأتينك سعياً " . ومنه: قتلته صبرا. وإنما الفصل بين المصدر وبين اسم الفاعل أنك إذا قلت: عجبت من ضرب زيدٍ عمرا، أن ضرباً في معنى: أن ضرب فيحتاج ما بعدها إلى الفاعل والمفعول. فإذا قلت: عجبت من ضارب عمرا، فقد جئت بالفاعل، وإنما بقي المفعول، والفاعل يحمل على المصدر؛ كما حمل المصدر عليه.تقول: قم قائماً فالمعنى: قم قياماً. فمن ذلك قوله:
على حلفةٍ لا أشتم الدهر مسلماً ... ولا خارجاً من في زور كلام
إنما أراد: لا أشتم، ولا يخرج من في زور كلام؛ فأراد: ولا خروجاً فوضع خارجاً في موضعه، وهذا قول عامة النحويين. وكان عيسى بن عمر يأبى ما فسرنا ويقول: إنما قال:
ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاجٍ قائماً ومقام
على حلفةٍ لا أشتم الدهر مسلماً ... ولا خارجاً من في زور كلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   مكتبة أهل الحق والإستقامة..موقع يهتم بنشر الكتب القيمة في مختلف الجوانب (فقه..عقيدة..تاريخ...الخ) عند المذهب الإباضية من نتاج فكري.

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *