فلتأتينك قصائدٌ وليركبن ... جيشٌ إليك قوادم الأكوار
ونحو ذلك. ألا ترى أنه ما كان من ذوات الياء فإن الرفع والخفض لا يدخلانه؛ نحو: هذا قاضٍ فاعلم، ومررت بقاضٍ، فلما احتاج إليه الشاعر رده إلى أصله فقال:
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب
وقال الشاعر مثله:
فيوماً يجارين الهوى غير ماضيٍ ... ويوماً ترى منهن غولٌ تغول
فعلى هذا إجراء ما لا يجري لما وصفت لك.
هذا باب تسمية السور والبلدان أما قولك: هذه هودٌ، وهذه نوحٌ، فأنت مخير: إن أردت هذه سورة نوح، وهذه سورة هود، فحذفت سورة على مثال ما حذف من قوله عز وجل: " واسأل القرية " فمصروف. تقول: هذه هودٌ، وهذه نوحٌ. وإن جعلت واحداً منهما اسماً للسورة لم تصرفه في قول من رأى ألا يصرف زيدا إذا كان اسماً لامرأة. هذا في هود خاصةً. وأما نوح فإنه اسمٌ أعجميٌّ لا ينصرف إذا كان اسماً لمؤنث، كما ذكرت لك قبل هذا. فأما يونس، وإبراهيم فغير مصروفين، للسورة جعلتهما أو للرجلين؛ للعجمة. ويدلك على ذلك أنك إذا قلت: هذه يونس أنك تريد: هذه سورة يونس، فحذفت؛ كما أنك تقول: هذه الرحمن.
وأما حاميم فإنه اسمٌ اعجميٌّ لا ينصرف، للسورة جعلته أو للحرف؛ ولا يقع مثله في أمثلة العرب. لا يكون اسم على فاعيل. فإنما تقديره تقدير: هابيل. وكذلك طس، ويس فيمن جعلهما اسماً؛ كما قال لما جعله اسماً للسورة:
يذكرني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقال الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم آيةً ... تأولها منا تقيٌّ ومعرب
وأما فواتح السور فعلى الوقف؛ لأنها حروفٌ مقطعة؛ فعلى هذا تقول: آلم ذلك و " حم والكتاب " لأن حق الحروف في التهجي التقطيع؛ كما قال:
أقبلت من عند زيادٍ كالخرف ... تخط رجلاي بخطٍّ مختلف
تكتبان في الطريف لامَ الِف
فهذا مجاز الحروف. فأما نون في قولك: قرأت نوناً يا فتى، فأنت مخير: إن أردت سورة نون، وجعلته اسماً للسورة جاز فيه الصرف فيمن صرف هندا، وتدع ذلك في قول من لم يصرفها. وكذلك صاد، وقاف. وهذه الأسماء التي على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن إنما هي بمنزلة امرأة سميتها دارا.
فأما البلاد فإنما تأنيثها على أسمائها، وتذكيرها على ذلك؛ تقول: هذا بلد، وهذه بلدة، وليس بتأنيث الحقيقة، وتذكيره كالرجل والمرأة. فكل ما عنيت به من هذا بلداً، ولم يمنعه من الصرف ما يمنع الرجل فاصرفه. وكل ما عنيت به من هذا بلدة منعه من الصرف وما يمنع المرأة، وصرفه ما يصرف اسم المؤنث على أن منها ما يغلب عليه أحد المذهبين والوجه الآخر فيه جائزٌ، والأصل ما ذكرت لك. وذلك نحو: فلج، وحجر، وقباء، وحراء. فأما المدينة، والبصرة، والكوفة، ومكة، فحرف التأنيث يمنعها. وأما بغداد ونحوها، فالعجمة تمنعها. وعمان، ودمشق فالأكثر فيهما التأنيث؛ يراد البلدتان والتذكير جائز، يراد: البلدان. كما أن واسطاً الأغلب عليه التذكير؛ لأنه اسم مكان وسط البصرة والكوفة، فإنما هو نعتٌ سمي به، ومن أراد البلدة لم يصرفها؛ وجعلها كامرأة سميت ضارباً. ألا ترى أنه لما جعل حراء اسماً لبقعة لم يصرفه وقال:
ستعلم أينا خيرٌ قديماً ... وأعظمنا ببطن حراء نارا
فأصل هذا ما تقصد به إليه. ألا ترى أنه يقول:
من كان ذا شكٍّ فهذا فلج ... ماءٌ رواءٌ، وطريقٌ نهج
فقال: فهذا، ولم يقل فهذه؛ لأنه أراد بلداً.
هذا باب أسماء الأحياء والقبائل فمجاز هذا مجاز ما ذكرنا قبل في البلدان. تقول: هذه تميمٌ، وهذه أسدٌ، إذا أردت هذه قبيلة تميم، أو جماعة تميم، فتصرف؛ لأنك تقصد قصد تميم نفسه. وكذلك لو قلت: أنا أحب تميما، أو أنت تهجو أسدا. إذا أردت ما ذكرنا، أو جعلت كل واحدٍ منهما اسماً للحي. فإن جعلت شيئاً من ذلك اسماً للقبيلة لم تصرفه على ما ذكرنا قبل. تقول: هذه تميم فاعلم، وهذه عامر قد أقبلت. وعلى هذا تقول: هذه تميم بنة مرٍّ، وإنما تريد القبيلة، كما قال:
لولا فوارس تغلب بنة وائلٍ ... نزل العدو عليك كل مكان
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
210 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق