اعلم أن كل أنثى سميتها باسمٍ على ثلاثة أحرف فما زاد فغير مصروف، كانت فيه علامة التأنيث أم لم تكن، مذكراً كان الاسم أو مؤنثاً، وذلك نحو امرأة سميتها قدما أو قمرا أو فخذا أو رجلا. فإن سميتها بثلاثة أحرف أوسطها ساكن، فكان ذلك الاسم مؤنثاً أو مستعملاً للتأنيث خاصةً، فإن شئت صرفته، وإن شئت لم تصرفه إذا لم يكن في ذلك الاسم علم التأنيث نحو: شاة، فإن ذلك قد تقدم قولنا فيه. وذلك نحو امرأةً سميتها بشمس أو قدم، فهذه الأسماء المؤنثة. وأما المستعملة للتأنيث فنحو: جمل، ودعد، وهند. فأنت في جميع هذا بالخيار، وترك الصرف أقيس. فأما من صرف فقال: رأيت دعدا، وجاءتني هندٌ، فيقول: خفت هذه الأسماء لأنها على أقل الأصول، فكان ما فيها من الخفة معادلاً ثقل التأنيث. ومن لم يصرف قال: المانع من الصرف لما كثر عدته؛ نحو: عقرب وعناق، موجود فيما قل عدده؛ كما كان فيه علامة تأنيث في الكثير العدد والقليله سواءً.
فإن سميت مؤنثاً باسم على هذا المثال أعجميٍّ، فإنه لا اختلاف فيه أنه لا ينصرف في المعرفة. وذلك نحو امرأةً سميتها بخش، أو بدل، أو بجاز؛ لأنه جمع مع التأنيث عجمة، فاجتمع فيه مانعان.
فإن سميت مؤنثاً بمذكر على هذا الوزن عربيٍّ فإن فيه اختلافاً: فأما سيبويه والخليل والأخفش والمازني، فيرون أن صرفه لا يجوز؛ لأنه أخرج من بابه إلى باب يثقل صرفه، فكان بمنزلة المعدول. وذلك نحو امرأة سميتها زيدا أو عمرا. ويحتجون بأن مصر غير مصروفة في القرآن؛ لأن اسمها مذكر عنيت به البلدة. وذلك قوله عز وجل: " أليس لي ملك مصر " فأما قوله عز وجل: " اهبطوا مصراً " . فليس بحجةٍ عليه؛ لأنه مصرٌ من الأمصار، وليس مصر بعينها، هكذا جاء في التفسير، والله أعلم.
وأما عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب، وأبو عمر الجرمي وأحسبه قول أبي عمرو ابن العلاء فإنهم كانوا إذا سموا مؤنثاً بمذكر على ما ذكرنا رأوا صرفه جائزاً، ويقولون: نحن نجيز صرف المؤنث إذا سميناه بمؤنث على ما ذكرنا. وإنما أخرجناه من ثقلٍ إلى ثقل، فالذي إحدى حالتيه حال خفة أحق بالصرف؛ كما أن لو سمينا رجلاً، أو غيره من المذكر باسم مؤنث على ثلاثة أحرف ليس له مانع لم يكن إلا الصرف. وذلك أنك لو سميت رجلاً قدما أو فخذا أو عضدا، لم يكن فيه إلا الصرف، لخفة التذكير. وكذلك لو سميته باسم أعجميٍّ على ثلاثة أحرف متحركات جمع، أو ساكنة الحرف الأوسط لكان مصروفاً. لا يجوز إلا ذلك؛ لأن الثلاثة أقل الأصول، والتذكير أخف الأبواب. فكل مذكر بثلاثة أحرف فمصروف إلا أن تكون فيه هاء التأنيث؛ نحو: شاة، وثبة فقد قلنا في الهاء، أو تكون فيه زيادة فعل نحو: يعد، ويضع، أو يكون من المعدول: كعمر، وقثم، أو يكون على ما لا تكون عليه الأسماء؛ نحو: ضرب، وقتل، وقد تقدم قولنا في هذا. فأما ما كان من المذكر المسمى باسم مؤنث على أربعة أحرف فصاعداً، أو بأعجمي على هذه العدة فغير منصرف في المعرفة؛ وذلك لأنه إنما انصرف فيما كان من المؤنث على ثلاثة أحرف مما ذكرت لك؛ لأنها الغاية في قلة العدد، فلما خرج عن ذلك الحد منعه ثقل المؤنث من الانصراف. والأعجمي المذكر يجري مجرى العربي المؤنث في جميع ما صرف فيه.
ألا ترى أن نوحا ولوطا اسمان أعجميان وهما مصروفان في كتاب الله عز وجل! فأما قوله عز وجل: " وعاداً وثمود وأصحاب الرس " وقوله: " ألا إن ثمود كفروا ربهم وإلى ثمود أخاهم صالحاً " فإن ثمود اسم عربيٌّ، وإنما هو فعول من الثمد، فمن جعله اسماً لأب أوحىٍّ صرفه، ومن جعله اسماً لقبيلة أو جماعة لم يصرفه. ومكانهم من العرب معروف؛ فلذل كان لهم هذا الاسم. وعلى ذلك اسم صالح. فأما الأسماء المشتقة غير المغيرة فهي تبين لك عن أنفسها. واعلم أن الشاعر إذا اضطر صرف ما لا ينصرف. جاز له ذلك؛ لأنه إنما يرد الأسماء إلى أصولها. وإن اضطر إلى ترك صرف ما ينصرف لم يجز له ذلك؛ وذلك لأن الضرورة لا تجوز اللحن، وإنما يجوز فيها أن ترد الشيء إلى ما كان له قبل دخول العلة، نحو قولك في رادٍّ إذا اضطررت إليه: هذا رادد؛ لأنه فاعل في وزن ضارب، فلحقه الإدغام، كما قال:
مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي ... إني أجود لأقوامٍ وإن ضننوا
لأن ضن إنما هو ضنن، فلحقه الإدغام وذلك قوله:
يشكو الوجى من أظللٍ وأظلل
وعلى هذا قال الشاعر:
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
209 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق