واعلم أن كل جمعٍ ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه جارٍ على سنة الواحد وإن عنيت به جمع الشيء؛ لأنه جنس. من أنثه فليس إلى الاسم يقصد، ولكنه يؤنثها على معناه؛ كما قال عز وجل: " تنزع الناس كأنهم أعجاز نخلٍ منقعرٍ " ؛ لأن النخل جنس. وقال: " فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ " ؛ لأنه جمع نخلة فهو على المعنى جماعة. ألا ترى أن القوم اسمٌ مذكر! وقال عز وجل: " كذبت قبلهم قوم نوحٍ " لأن التقدير - والله أعلم - : إنما هو جماعة قوم نوح. وذلك الجمع؛ نحو: حصاة، وحصًى، وقناة وقنًى، وشعيرة وشعير، وكل ما كان مثل هذا فهذا مجازه.
ومن الجمع ما يكون اسماً للجمع، ولا واحد له من لفظه، فمجاز ذلك أن يكون مؤنثاً كالواحد الذي يعنى به الشيء المؤنث، إلا ما كان لجماعة الآدميين، وذلك نحو: غنم، وإبل فإنك تقول في تصغيره: غنيمة، وأبيلة، كما تقول في تصغير دار: دويرة، وتصغير هند: هنيدة. وأما ما كان من الآدميين من ذلك فنحو: رهط، ونفر وقوم، لا تقول في تصغير شيءٍ من ذلك إلا كما تقول في تصغير الواحد المذكر: قويم، ورهيط، ونفير. فإن سميت بشيءٍ من جميع هذا المؤنث الذي ليس فيه علامة تأنيث، ولا مانع مما ذكرت رجلاً فهو مصروف في المعرفة والنكرة، وذلك نحو: عنوق: جمع عناق. وكذلك كل ما كان جمعه لمذكر أو مؤنث، ولم يمنعه من الصرف ما يمنع الواحد فهو مصروف إذا سميت به مذكراً. فإن قال قائل: فكيف انصرف في المعرفة وأصله التأنيث؟ فإنما ذلك لأن تأنيثه ليس بحقيقي، إنما قلت: هي الجمال، وهي الرجال على معنى هي جماعة الرجال، وجماعة الجمال.
ألا ترى أن المؤنث والمذكر يخرجان إلى اسم واحد، فتقول: هي أنيق، كما تقول هي الجمال فمانما تريد بها جميعاً: جماعة. فأما الواحد فتأنيثه وتذكيره واقعان له. والتأنيث، والتذكير في الواحد على ضربين: أحدهما: حقيقة، والآخر: لفظ، فهما في ترك الصرف سواءٌ، لأن الصرف إنما هو للفظ، وليسا في الإخبار عنهما سواءً. فأما الحقيقي فما كان في الرجل والمرأة، وجميع الحيوان؛ لأنك لو سميت رجلاً طلحة لخبرت عنه كما يخبر إذا كان اسمه مذكراً. ولو سميت امرأة، أو غيرها من إناث الحيوان باسمٍ مذكر لخبرت عنها كما تخبر عنها واسمها مؤنث. وذلك نحو امرأةً سميتها جعفرا فتقول: جاءتني جعفر؛ كما تقول: جاءتني حمدة، ولا يجوز أن تقول: جاءني؛ لأن التأنيث حقيقة، كما لا يجوز أن تقول: جاءتني طلحة وأنت تعني رجلاً. والتأنيث الثاني، والتذكير نحو قولك: يوم، وليلة، وبلدة، ودار ومنزل، فليس في هذا أكثر من اللفظ. فلو قلت: قصر ليلتك، وعمر دارك لجاز؛ لأن الدار والمنزل شيءٌ واحد. ليس في الدار حقيقة تصرفها عن ذلك، وكذلك البلد والبلدة. قال الله عز وجل: " من جاءه موعظةٌ من ربه " وقال: " وأخذ الذين ظلموا الصيحة " . وقال في تأنيث الجمع: " وقالت نسوةٌ في المدينة " ؛ لأن الإخبار ليس عن واحد. فإن قال: قام جواريك صلح، ولو قال: قام جاريتك لم يجز، وكذلك لا يجوز: قام مسلماتك، وجاراتك ولكن قامت؛ لأن هذا جمعٌ حقيقيٌّ. لا يغير الواحد عن بنائه إلا أن يضطر شاعر كما قال:
لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ
ولو قال في الشعر: قام جاريتك لصلح، وليس بحسن حتى تذكر بينهما كلاماً، فتقول: قام يوم كذا وكذا جاريتك، ولا يجوز مثل هذا عندنا في الكلام. وهذا الجمع إنما هو على حد التثنية. فالألف والتاء في المؤنث كالواو والنون في المذكر.
هذا باب تسمية المؤنث
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
208 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق