وتقول على هذا: أخواك آكلان طعاماً، وقومك ضاربون زيداً، وأخواتك ضاربات عمر. وتقول: مررت برجل ضارب زيداً، فتصفه به؛ لأنه نكرة مثله؛ كما تقول: مررت برجل يضرب زيداً.
ولو قلت ذلك في اسم الفاعل إذا أردت ما مضى لم يقع ذا الموقع، وذلك أنك لا تقول: مررت برجل ضارب زيد إلا على البدل؛ كما لا تقول: مررت برجل غلام زيد.
وتقول: مررت بزيد ضارباً عمراً. إذا أردت التي تجري مجرى الفعل. فإن أردت الأخرى قلت: مررت بزيد ضارب عمرو؛ كما تقول: مررت بزيد غلام عمرو.
واعلم أنه قد يجوز لك أن تحذف النون والتنوين من التي تجري مجرى الفعل، ولا يكون الاسم إلا نكرة وإن كانا مضافاً إلى معرفة؛ لأنك إنما تحذف النون استخفافاً. فلما ذهب النون عاقبتها الإضافة، والمعنى معنى ثبات النون. فمن ذلك قول الله عز وجل: " هدياً بالغ الكعبة " فلو لم ترد التنوين لم يكن صفة لهدي وهو نكرة. ومن ذلك قوله تعالى: " هذا عارض ممطرنا " و " ثاني عطفه " ؛ لأنه نصب على الحال، ولا تكون الحال إلا نكرة.
ومن ذلك قول الله عز وجل: " إنا مرسلو الناقة " فإنما هذه حكاية قول الله عز وجل قبل إرسالها.
وكذلك " إلا آتي الرحمن عبداً " و " كل نفس ذائقة الموت " ومن نون قال: " آت الرحمن عبداً " ، و " ذائقة الموت " ؛ كما قال عز وجل: " ولا آمين البيت الحرام " . وهذا هو الأصل، وذاك أخف وأكثر، إذ لم يكن ناقضاً لمعنى، وكلاهما في الجودة سواء. قال جرير:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحرمانا
ف رب لا تقع إلا على نكرة، وإنما حذف التنوين استخفافاً وهو يريد: رب غابط لنا. ومثله:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق
أراد: باعث ديناراً؛ لأنه إنما يستفهمه عما سيقع.
ونصب الثاني لأنه أعمل فيه الفعل. كأنه قال: أو باعث عبد رب. ولو جره على ما قبله كان عربياً جيداً مثل النصب.
وذلك لأن من شانهم أن يحملوا المعطوف على ما عطف عليه، نحو: هذا ضارب زيد، وعمرو غداً، وينصبون عمراً، إلا أن الثاني كلنا تباعد من الأول قوي النصب، واختير. نحو قولك: هذا معطي زيد الدراهم، وعمراً الدنانير، والجر جيد بالغ.
ولو قلت: هذا معطي زيد اليوم الدراهم، وغداً عمراً الدنانير لم يصلح في عمرو إلا النصب، لأنك لم تعطف الاسم على ما قبله، وإنما أوقعت العطف على الظرف، فلم يقو الجر.
ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد وعمرو، ولا تقول: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. فإذا أعملته عمل الفعل جاز؛ لأن الناصب ينصب ما تباعد منه.
ألا ترى أنك تقول: هذا ضارب اليوم زيداً. وغدا عمراً؛ كما تقول: هذا يضرب اليوم زيداً، وغدا عمراً.
وكذلك تقول: هذا ضاربك وزيداً غدا. لما لم يجز أن تعطف الظاهر على المضمر المجرور حملته على الفعل؛ كقول الله عز وجل: " إنا منجوك وأهلك " كأنه قال: ومنجون أهلك، ولم تعطف على الكاف المجررة.
ومما ينشده العرب نصباً وجراً لاشتمال المعنى عليهما جميعاً قول لبيد:
فإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معد، فلتزعك العواذل
ينصبون دون ويجرونها. وقال الفرزدق:
قعود لدى الأبواب طلاب حاجة ... عوان من الحاجات أو حاجةً بكرا
وقال جرير:
جيئوا بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار
يجرون مثل، وينصبونها. فمن جر فعلى الأول، ومن نصب فعلى: أو هاتوا مثل أسرة؛ لأن هذا إذا أضمر لم يخرج من معنى الأول. ومن قال هذا قال: خشنت بصدرك، وصدر زيد، على الموضع.
وعلى نحو من هذا أجازوا: مررت بزيد وعمراً؛ لأن معناه: أتيت، فحمله على المعنى؛ إذ كان قولك بزيد بعد مررت في موضع نصب. وقال الشاعر:
ألا حي ندماني عمير بن عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا
كأنه قال: أو تلاقينا غداً.
واعلم أن اسم الفاعل إذا كان لما مضى فقلت: هذا ضارب زيد أمس وعمرو، وهذا معطي الدراهم أمس وعمرو جاز لك أن تنصب عمراً على المعنى لبعده من الجار. فكأنك قلت: وأعطى عمراً فمن ذلك قول الله عز وجل: " جاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً " على معنى: وجعل، فنصب.
هذا باب
مسائل الفاعل
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
239 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق