فإن كان العامل غير فعل ولكن شيء في معناه ، لم تتقدم الحال على العامل؛ لأن هذا شيء لا يعمل مثله في المفعول. وذلك قوله: زيد في الدار قائماً، ولا تقل: زيد قائماً في الدار. وتقول: هذا قائماً حسن، ولا تقل: قائماً هذا حسن. وتقول: مررت راكبا بزيد إذا كان راكباً لك. فإن أردت أن يكون لزيد لم يجز؛ لأن العامل الباء، فعلى ما ذكرت لك يجري هذا الباب.
فإن قال قائل: فما بالك تقدم الظروف وهي مفعول فيها والعامل معنى الفعل، ولا يجوز أن يعمل فيها التنبيه كما عمل في الحال، وكلاهما مفعول فيه، فمن أين اختلفا؟ قيل له: الفصل بين الحال والظرف أن الحال هي الاسم الأول، فاعلاً كان أو مفعولاً أو غير ذلك من الابتداء وخبره. والظرف متضمن للحال وغيرها. لا يقع شيء إلا في زمان ومكان. فالحال تقع في الظروف، والظروف لا يقال إنها واقعة في الحال.
فإذا قلت: يوم الجمعة زيد في الدار. ف يوم الجمعة غير زيد، وقد عمل فيه استقرار زيد.
وإذا قلت: جاءني زيد راكباً. فالراكب هو زيد، وكذلك ضربت زيداً قائماً، وزيد منطلق راكباً. فالقائم، والراكب، وما أشبه ذلك هو زيد، فلما كان إياه عمل فيه ما يعمل في المفعول به؛ لأه اسم مثله.
ولما كان الظرف متضمناً لهذا وغيره، وكان غيرهما في المعنى إنما هو اسم زمان أو مكان لا يخلو من كون فيها واستقرار كان الناصب لهما المعنى الذي جئ بهما من أجله.
فإن قيل: لم لا تقول: هذا زيد يوم الجمعة، وهذا زيد شهر رمضان فتعمل التنبيه؟ قيل له: إذا كان الظرف من المكان لم يمتنع من شيء من الأسماء؛ لأنها تفيد فيه معنى. وذلك أنك إذا قلت: زيد عندك أو في دارك، أو بالبصرة، فقد أفدت فيه ما قد كان يجوز أن يخلو منه.
وإذا قلت: زيد يوم الجمعة فلا معنى لهذا؛ لأن يوم الجمعة لا يخلو زيد ولا غيره منه، ولا حي ولا ميت، فلما لم تكن فيه فائدة قال النحويون: لا تكون ظروف الزمان المجثث.
وإنما امتنع قولك: هذا زيد يوم الجمعة من الجواز وإن كانت ها للتنبيه، وذا للإشارة ولم يكن مثل قولك: القتال شهر رمضان، ويوم الجمعة؛ لأنك إذا قلت: القتال يوم الجمعة، فقد خبرت بشيء يكون في الجمعة، قد كان يجوز أن يخلو منه.
وأنت إذا قلت: هذا زيد، فقد نبهت، وأعلمت في أي وقت هو؟ فلا معنى لقولك يوم الجمعة، ولا لذكر وقت، لأن السامع في الوقت وأنت سواء.
ألا ترى أنك إذا قلت: أنا آكل يوم الجمعة، وأنت تخبر عن أنك تفعل هذا إذا كان يوم الجمعة كان جيداً.
ولو قلت: أنا آكل يوم الجمعة تخبر عما أنت فيه لم يكن له معنى، فإن أردت أن تفيد السامع أن اليوم يوم الجمعة قلت: أنا آكل، وهذا يوم الجمعة؛ ليصير خبراً بعد خبر. فتفهم هذا فإن معرفة الأصول إحكا الباب، وإذا صحت جرت عليه المسائل على الاستقامة إن شاء الله.
هذا باب
الفعل الذي يتعدى إلى مفعول وفاعله مبهم
ولا يتصرف تصرف غيره من الأفعال ويلزم طريقة واحدة؛ لأن المعنى لزمه على ذلك وهو باب التعجب وذلك قولك: ما أحسن زيداً، وما أكرم عبد الله.
ف ما اسم مرتفع بالابتداء، وأحسن خبره، وهو فعل، وزيداً مفعول به، فتقديره: شيء أحسن زيداً إلا أن معنى التعجب دخله مع ما، ولا يكون ذلك في شيء غير ما.
فإن قال قائل: هل رأيت ما تكون اسماً بغير صلة إلا في الجزاء والاستفهام؟ قيل له: إنما كانت في الجزاء والاستفهام بغير صلة إذا قلت مجازياً: ما تصنع أصنع، أو مستفهماً: ما تصنع يا فتى؟ لأنك إنما تستفهم عما تنكر، ولو كنت تعرف كنت مخبراً لا مستخبراً، والصلة تعرفه.
وكذلك الجزاء إذا قلت: ما تصنع أصنع؛ لأنك أبهمته، ولم تقصد إلى شيء واحد بعينه، فالمعنى من الإبهام الذي يكون في الجزاء والاستفهام كذلك هو التعجب، لأنك إذا قلت: ما أحسن زيداً، فقد أبهمت ذاك فيه، ولم تخصص.
ومما جاء من ما بغير صلة في غير الجزاء والاستفهام، لمشاركتها إياهما في الإبهام: إني مما أن أفعل. فالمعنى: إني من الأمر أن أفعل.
وتقول: إني مما أفعل على معنى: ربما أفعل. كما قال:
وإنا لمما نضرب الكبش ضربةً ... على رأسه تلقى اللسان من الفم
وقال الآخر:
ألا غنياً بالزاهرية إنني ... على النأي مما أن ألم بها ذكر
ومن ذلك قولهم: دققته دقاً نعما، أي نعم الدق.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
243 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق