244 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 22 مارس 2021

244 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة




فإن قال قائل: فإذا قلت: ما أحسن زيدا فكان بمنزلة: شيء حسن زيدا، فكيف دخله معنى التعجب، وليس ذلك في قولك: شيء أحسن زيدا؟ قيل له: قد يدخل المعنى في اللفظ، ولا يدخل في نظيره. فمن ذلك قولهم: علم الله لأفعلن. لفظه لفظ: رزق الله، ومعناه القسم.
ومن ذلك قولهم: غفر الله لزيد، لفظه لفظ الخبر، ومعناه الدعاء.
ومن ذلك أنك تقول: تالله لأفعلن. فتقسم على معنى التعجب، ولا تدخل التاء على شيء من أسماء الله غير هذا الاسم؛ لأن المعنى الذي يوجب التعجب إنما وقع ها هنا.
وكل ما لزمه شيء على معنى لم يتصرف؛ لأنه إن تصرف بطل ذلك المعنى، وصار بمنزلة الأفعال التي تجري على أصولها، ولم يدخلها من المعنى أكثر من ذلك.
فإن قال قائل: أرأيت قولك: ما أحسن زيدا، أليس في التقدير والإعمال لا في التعجب بمنزلة قولك: شيء حسن زيدا، فكيف تقول في هذا في قولك: ما أعظم الله يا فتى، وما أكبر الله؟ قيل له: التقدير على ما وصفت لك. والمعنى: شيء عظم الله يا فتى، وذلك الشيء الناس الذين يصفونه بالعظمة، كقولك: كبرت كبيراً، وعظمت عظيماً. فإن قال قائل: فينتصب هذا من حيث انتصب زيد. قيل له: لا شيء من الأفعال ينتصب على معنى الآخر بأكثر من الفاعل والمفعول به.
ألا ترى أنك تقول: شتمت زيداً، وأكرمت عمراً فالفعل الناسب جنس واحد، والمعنى مختلف، وليس شيء يخبر به عن الله عز وجل إلا على خلاف ما تخبر به عن غيره في المعنى، وجنس الفعل واحد في الإعمال. فمن ذلك ما أذكره لك ليدل على سائره إن شاء الله.
وهو نحو قولك: رحم الله الناس، ورحم زيد عمرا، فالرحمة من زيد رقة وتحنن، والله عز وجل يجل عنها.
وكذلك علم الله، وهو العالم بنفسه. وتقول: علم زيد علماً، وإنما ذلك علم جعل فيه، وأدب اكتسبه. وكذلك جميع ما تخبر به.
وإذا كان زيد مفعولا قلت: لقيت زيداً، ورأيت عمرا، وتقول: ذكرت الله. فإنما تعني أن ذكرك كان لهذا الاسم، وكذلك دعوت الله. فمخارج الأفعال واحدة في الإعمال، والمعاني تختلف. فعلى هذا يجري التقدير فيما ذكرت لك.
وقد قال قوم: إن أحسن صلة ل ما، والخبر محذوف. وليس كما قالوا؛ وذلك أن الأخبار إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها.
وإنما هربوا من أن تكون ما وحدها اسماً، فتقديرهم: الذي حسن زيداً شيء، والقول فيها ما بدأنا به من أنها تجري بغير صلة، لمضارعتها الاستفهام والجزاء في الإبهام.
فإذا قلت: ما أحسن زيداً لم يجز أن تضع الفعل المضارع ها هنا فتقول: ما يحسن زيداً، وما محسن زيدا؛ لأن معنى التعجب إنما دخله على هيئة إن زال لفظها زال المعنى.
ألا ترى أنك تقول: العمر، والعمر، ولا يقع في القسم إلا مفتوحاً؛ لدخول المعنى على هذه الهيئة. ولو قلت: ما أحسن عندك زيدا، وما أجمل اليوم عبد الله، لم يجز، وكذلك لو قلت: ما أحسن اليوم وجه زيد، وما أحسن أمس ثوب زيد؛ لأن هذا الفعل لما لم يتصرف لزم طريقة واحدة، وصار حكمه كحكم الأسماء.
والدليل على ذلك أنك تقوم: أقام عبد الله زيدا، فتنقلب الواو ألفاً، لأنه فعل، وتقول في الاسم: هذا أقوم من ذا. فلا يعل. وتقول في التعجب: ما أقوم زيداً، وما أبيعه. فيكون هذا الفعل لاحقاً بالأسماء لما أخبرتك به من قلة تصرفه.
واعلم أن بناء فعل التعجب إنما يكون من بنات الثلاثة، نحو: ضرب، وعلم، ومكث، وذلك أنك تقول: دخل زيد، وأدخلته، وخرج، وأخرجته، فتلحقه الهمزة، إذا جعلته محمولاً على فعل.
وكذلك تقول: حسن زيد، ثم تقول: ما أحسنه: لأنك تريد: شيء أحسنه.
فإن قيل: فقد قلت : ما أعطاه للدراهم، وأولاه بالمعروف، وإنما هو من أعطى، وأولى. فهذا وإن كان قد خرج إلى الأربعة فإنما أصله الثلاثة والهمزة في أوله زائدة.
وعلى هذا جاء: " وأرسلنا الرياح لواقح " ولو كان على لفظه لكان ملاقح، لأنه يقال: ألفح فهي ملفحة، ولكنه على حذف الزوائد. ومن ذلك قوله:
يخرجن من أجواز ليل غاضي
وإنما هو مغض، واستعمل بحذف زيادته، ومثل ذلك:
تكشف عن جماته دلو الدال
يريد: المدلي.
ومن ذلك حذفك جميع الزوائد إذا احتجت إلى حذفها في تصغير، أو جمع، أو اضطر إليه شاعر؛ كما قال العجاج:
ومهمه هالك من تعرجا
إنما هو مهلك في بعض الأقاويل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   مكتبة أهل الحق والإستقامة..موقع يهتم بنشر الكتب القيمة في مختلف الجوانب (فقه..عقيدة..تاريخ...الخ) عند المذهب الإباضية من نتاج فكري.

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *