اعلم أنك إذا قلت: يا هذا الرجل فإنما أبنت المنادى بذكرك الرجل، وليس الرجل على معهود. فإن قلت: يا هذا ذا الجمة لم يصلح أن يكون ذا الجمة نعتاً؛ لأن المبهمة لا تنعت بالمضاف، لأن المضاف إنما هو معرفة بما بعده، والمبهمة لا يجوز أن تضاف إلى شيء؛ لأنها لا تكون إلا معارف بالإشارة التي فيها، فلم تكن نعوتها إلا مثلها، ولكن يجوز هذا على وجهين: على أن يكون ذا الجمة نداء ثانياً، فيكون التقدير: يا هذا يا ذا الجمة. وعلى أن يكون منصوباً بأعني. فإن قلت: يا هذا الطويل جاز أن يكون الطويل عطفاً على هذا مبيناً له، ويجوز أن يكون نعتاً وليس بوجه الكلام، وإنما ينبغي أن يوضح هذا باسم فيه ألف ولام لا بنعت؛ لأن هذا مبهم، فإنما ينبغي أن يفسر بما يقصد إليه.
وتقول: يا هذان زيد وعمرو، وإن شئت قلت: زيداً وعمراً، وإن شئت قلت: زيد وعمرو.
أما الرفع بغير تنوين فعلى البدل. كأنك قلت: يا زيد، ويا عمرو.
وأما الرفع بتنوين فعلى عطف البيان على اللفظ.
وأما قولك: زيداً وعمراً، فعلى عطف البيان على الموضع.
ولو قلت: يا هذا، وهذا الطويل والقصير لم يجز أن يكون الطويل والقصير نعتاً؛ لأن المبهمة وما بعدها كالشيء الواحد.
ألا ترى أنك إذا قلت: يا هذا الرجل أنك إنما توسلت بهذا إلى دعاء الرجل، فصار المعنى أنك تريد به الرجل الذي أرى، فالرجل على غير معهود. فإذا قلت: يا هذا وهذا خرج الطويل والقصير من الاتصال بهذا وهذا ولكنه يصلح على عطف البيان، وعلى أعني إذا نصبت، وفي العطف تنصب إن شئت وترفع إن شئت. ولكن إن قلت: يا هذان الرجلان، ويا هذان الطويلان كان نعتاً بمنزلة يا هذا الرجل.
فأما أي في قولك: يا أيها الرجل فلا يجوز الوقف على أي كما وقفت على هذا فأنت في هذا مخير: إن شئت أن تقول: يا هذا الرجل جاز، وذلك لأنك تقول: يا هذا، وتقف فإذا وقفت عليه كنت في النعت مخيراً كما كان ذلك في قولك: يا زيد.
فإن كنت تقدر هذا تقدير أي في أنها توسل إلى نداء الرجل لم يجز إلا الرفع، لأنك قدرتها تقدير أي وإنما حلت هذا المحل؛ لأنها إذا لم تكن استفهاماً أو جزاءً لم تكن اسماً إلا بصلة، فإنما حذفت منها الصلة في النداء، لأن النعت قام مقامها.
فإذا قلت: يا أيها الرجل كانت أي والرجل بمنزلة شيء واحد.
ألا ترى أنك لا تقول: يا أي وتسكت؛ كما تقول: يا هذا وتقف؛ لأن هذا مجراها في الكلام أن تتكلم بها وحدها وأي ليس كذلك.
فعلى هذا تقول: يا هذا ذا الجمة، فتبدل منها لأنها تامة، أو تستأنف نداء بعدها. فأما يا أيها ذا الجمة فلا يصلح، لأن أيا لا يوقف عليها فتبدل منها، ولذلك امتنع يا أيها الرجل، لأنها وأي بمنزلة الشيء الواحد.
فإن قلت: يا أيها الرجل ذو المال، فجعلت ذا المال من نعت الرجل لم يكن فيه إلا الرفع على ما وصفت لك. وإن جعلته من نعت أي فخطأ، لأنك لا تقول: يا أيها ذا المال، وإن جعلته بدلاً من أي نصبت.
هذا باب
الندبة
وهو يجري في الكلام على ضربين: أما من أراد أن يفصلها من النداء، وألحق في آخرها ألفاً، وألحق الألف في الوقف هاءً لخفاء الألف. فتبينها بالهاء؛ كما تبين بها الحركة، فإن وصل حذفها.
والوجه الآخر: أن تجري مجرى النداء البتة، وعلامته يا و وا ولا يجوز أن تحذف منها العلامة؛ لأن الندبة لإظهار التفجع ومد الصوت.
واعلم أنك لا تندب نكرة ولا مبهماً ولا نعتاً. لا تقول: يا هذاه، ولا: يا رجلاه إذا جعلت رجلاً نكرة، ولا يا زيد الظريفاه؛ لأن الندبة عذر للتفجع، وبها يخبر المتكلم أنه قد ناله أمر عظيم، ووقع في خطب جسيم.
ألا ترى أنك لا تقول: وامن لا يعنيني أمره، ولا: وامن لا أعرفه وذلك قولك: وازيداه. فإن أتبعته النعت قلت: وازيد الظريف. سقطت الهاء؛ لأنك قد اتبعته كلاماً. وأنت في الظريف مخير: إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت؛ لأنه نعت للمنادى.
وتقول: واغلام زيداه، واعبد اللهاه؛ لأن ما قبل الألف لا يكون إلا مفتوحاً، وسقط التنوين من زيد؛ لأن ألف الندبة زيادة في الاسم، والتنوين زيادة، فعاقبت التنوين.
فأما من أجرى المندوب مجرى المنادى فإنه يقول: واغلام زيد؛ لأنه إذا لم يكن أحدهما كان الآخر. وكذلك كل متعاقبين. وتقول: وازيدا واعمراه، تلحق الهاء بعد الذي تقف عليه لما ذكرت لك.
هذا باب
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
259 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق