فجملة هذا: أن كل شيء من المعرفة يجوز أن يكون نعتاً لشيء، فدعوته أن حذف يا منه غير جائز؛ لأنه لا يجمع عليه أن يحذف منه الموصوف وعلامة النداء، وذلك أنه لا يجوز أن تقول: رجل أقبل، ولا: غلام، تعال، ولا: هذا، هلم، وأنت تريد النداء، وذلك أنه لا يجوز أن تقول: رجل أقبل؛ لأن هذه نعوت أي. تقول: يا أيها الرجل، ويا أيها الغلام، ويا أيهذا؛ لأن أيا مبهم، والمبهمة إنما تنعت بما كان فيه الألف واللام، أو بما كان مبهماً مثلها، وهذا يفسر في باب المعرفة والنكرة إن شاء الله.
قال الشاعر:
ألا أيها المنزل الدارس الذي ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد
وقال:
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر
وقال الأعشى:
ألا أيهذا السائلي أين يممت؟ ... فإن لها في أهل يثرب موعدا
فهذا تقدير يا أيها إلا أن يضطر شاعر، فإن اضطر كان له أن يحذف منها علامة النداء، وأحسن ذلك ما كانت فيه هاء التأنيث؛ لما يلزمها من التغيير، على أن جوازه في الجميع لا يكون إلا ضرورة.
وقال الشاعر، وهو العجاج:
جاري لا تستنكري عذيري
وقالوا في مثل من الأمثال والأمثال يستجاز فيها ما يستجاز في الشعر لكثرة الاستعمال لها: اقتد مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرا. يريدون ترخيم الكروان فيمن قال: يا حار، وكذلك قوله:
صاح هل أبصرت بالخبتتين من أسماء نارا
وتقول: حافر زمزم أقبل، لأن هذا لا يكون من نعت أي. وكذلك أمير المؤمنين أعطني، كما قال:
أمير المؤمنين جمعت ديناً ... وحلماً فاضلاً لذوي الحلوم
والنكرة أصلها لا يجوز هذا فيها، ولا يجوز أن تقول: رجلاً أقبل، ولا رجلاً من أهل البصرة أقبل؛ لأنها شائعة، فتحتاج إلى أن يلزمها الدليل على النداء وإلا فالكلام ملتبس.
هذا باب
ما يلزمه التغيير في النداء
وهو في الكلام على غير ذلك
فمن ذلك قولهم: يا أبت لا تفعل، ويا أمت لا تفعلي. فهذه الهاء إنما دخلت بدلاً من ياء الإضافة، والدليل على ذلك أنك إن جئت بالياء حذفتها فقلت: يا أبي لا تفعل، ويا أمي لا تفعلي.
فأما الكسرة التي فيها فدلالة على الإضافة. وكانت الهاء داخلة على الأم؛ لأنها مؤنثة، وعلى الأب: كما دخلت في راوية وعلامة للمبالغة، ولأن الشيئين إذا جريا مجرىً واحداً سوي بين لفظهما.
ألا ترى أنك تقول: فعل أبواي، وهذان أبواك تعني الأب والأم، وإنما أخرجته مخرج قولك: أب وأبة، كما تقول: صاحب وصاحبة، لأن كل جار على الفعل من الأسماء فتأنيثه جار على تذكيره. وما كان من غير فعل، أو كان على غير بناء الفعل نحو: أحمر، وعطشان، وما أشبه ذلك اختلف تأنيثه وتذكيره؛ لأن الفعل تلحقه الزيادة للتأنيث، فيكون الاسم عليه كذلك. تقول: ضرب، فإن عنيت المؤنث قلت: ضربت. فعلى هذا تقول: ضارب وضاربة.
وما كان من قولك: أحمر فالاسم منه محمر. فأما قولك: أحمر فمشتق وليس بجار على الفعل. فهذا الذي وصفت لك.
وتقول: يا أم لا تفعلي، ويا أب لا تفعل إذا لم ترد قول من يثبت الياء، أو يعوض منها الهاء التي هي تاء في الوصل، فإن جئت بالتاء، ووقفت عليها كانت بمنزلة قولك: يا عمى، ويا خالة، ويجوز الترخيم فيها؛ كما جاز في حمدة ونحوها؛ لأنها وإن كانت بدلاً فإنما هي علامة تأنيث في وصلها ووقفها سواء.
وقد قرئ " رب احكم بالحق " . فتقول إذا رخمت : يا أم لا تفعلي، فيمن قال: يا حار، وترفع فيمن قال: يا حار.
والعلم بأنها بدل من ياء الإضافة كالعلم بذلك إذا أثبتها، لأن قولك: يا أم غير مستعمل إلا مضافاً؛ لأنها من الأسماء المضمنة. فإذا لم تكن موصولة بظاهر ولا مضمر له علامة الغائب فهي للمتكلم.
فأما المخاطب فمحال أن تكون له في الدعاء. لا تقول: يا أمك أقبلي؛ لأن المخاطبة لا تجمع اثنين إلا على جهة الإشراك.
والترخيم داخل على المعارف؛ لأنها مثبتة مقصود إليها مبينة من غيرها، والنكرات شائعة غير معلوم واحدها.
هذا باب
المبهمة وصفاتها
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
258 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق