والفصل بين هذا والأول، أنك تومئ في هذا الموضع إلى شخصين أو إلى شخوص تضيف إليها. وأنت في الأول إنما تقصد إلى كنية يعرف بها واحد أو اثنان أو ثلاثة، ولا تومئ إلى شخص هذا الاسم له. فعلى هذين المعنيين مجرى هذا.
هذا باب
الظروف من الأمكنة والأزمنة ومعرفة قسمها
وتمكنها، وامتناع ما يمتنع منها من التصرف، ويقال من الصرف
اعلم أن الظروف متضمنة للأشياء. فما كان منها معه فعل أو شيء في معنى الفعل فمجراه مجرى المفعول. فإن أطلقت الفعل عليه نصبته، وإن جعلته له أو شغلته عنه رفعته، ونصبه إذا انتصب على أنه مفعول فيه.
وذلك قولك: سرت يوم الجمعة، وجلست خلف زيد، ودون عبد الله، وقدام أخيك. فهذه كلها مفعول فيها بأنك جلست في هذا الموضع، وسرت في هذا الحين.
فإن شغلت الفعل قلت: يوم الجمعة سرت فيه، ومكانكم قمت فيه؛ كما تقول: عبد الله تكلمت فيه، وزيد شفعت فيه، وأخوك مررت به.
من رأى نصب هذا نصب الظروف بما سنذكره بعد هذا الباب إن شاء الله.
وذلك أن قولك: زيد مررت به ابتداء وخبر، ومررت به في موضع قولك منطلق إذا قلت: زيد منطلق. وكذلك: مكانكم قمت فيه، ويوم الجمعة سرت فيه بمنزلة قولك: يوم الجمعة مبارك ومكانكم حسن.
وإذا كان الفعل له فكذلك. تقول: مضى يوم الجمعة، وحسن مكانكم؛ لأنها أسماء كزيد وعمرو، وإن كانت مواضع للأشياء.
فأما ما يكون في معنى الفعل. فينتصب به فنحو قولك: المال لك يوم الجمعة؛ لأن معناه: تملك، وزيد في الدار يومنا هذا؛ لأن معناه الاستقرار، وزيد صديق عبد الله اليوم؛ لأن معناه أنه يؤاخيه في هذا اليوم.
واعلم أن الظروف من المكان تقع للأسماء والأفعال فأما وقوعها للأسماء فلأن فيها معنى الاستقرار. تقول: زيد خلفك، وزيد أمامك، وعبد الله عندكم؛ لأن فيه معنى استقر عبد الله عندك.
فأما الظروف من الزمان فإنها لا تتضمن الجثث؛ لأن الاستقرار فيها لا معنى له.
ألا ترى أنك تقول: زيد عندك يوم الجمعة لأن معناه زيد استقر عندك في هذا اليوم. ولو قلت: زيد يوم الجمعة لم يستقم، لأن يوم الجمعة لا يخلو منه زيد ولا غيره فلا فائدة فيه، ولكن القتال يوم الجمعة، واجتماعكم يوم الجمعة، واجتماعكم يوم كذا، وموعدكم اليوم يا فتى؛ لأنها أشياء تكون في هذه الأوقات، وقد كان يجوز أن تخلو منها.
ولو قلت: زيد أخوك يوم الجمعة، وأنت تريد االنسب لم يجز؛ لأنه ليس فيه معنى فعل، فلا يكون له وجه فائدة، ولكن إن قلت: زيد أخوك يوم الجمعة، تريد به الصداقة كان جيداً؛ لأنك قلت: يؤاخيك في هذا اليوم، فعلى هذا تجري هذه الأشياء.
واعلم أن هذه الظروف المتمكنة يجوز أن تجعلها أسماء فتقول: يوم الجمعة قمته، في موضع قمت به، والفرسخ سرته، ومكانكم جلسته، وإنما هذا اتساع، والأصل ما بدأنا به لأنها مفعول فيها، وليست مفعولاً بها. وإنما هذا على حذف حرف الإضافة.
ألا ترى أن قولك: مررت بزيد لو حذفت الباء قلت: مررت زيداً، إلا أنه فعل لا يصل إلا بحرف إضافة. وعلى هذا قول الله عز وجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً " إنما هو والله أعلم من قومه. فلما حذف حرف الإضافة، وصل الفعل فعمل. وقال الشاعر:
منا الذي اختير الرجال سماحةً ... وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
يريد: من الرجال، وقال الآخر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
يريد: بالخير. وقال:
أستغفر الله ذنباً لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل
يريد من ذنب. فهذا على هذا. فمما جاء مثل ما وصفت لك في الظروف قوله:
ويوم شهدناه سليماً وعامراً ... قليلاً سوى الطعن النهال نوافله
يريد: شهدنا فيه.
فأما قول الله عز وجل: " بل مكر الليل والنهار " فإن تأويله والله أعلم بل مكركم في الليل والنهار، فأضيف المصدر إلى المفعول؛ كما تقول: رأيت بناء دارك جيداً، فأضفت البناء إلى الدار، وإنما البناء فعل الباني.
وكذلك: ما أحسن خياطة ثوبك، والفعل إنما هو للفاعل، وجازت إضافته إلى المفعول، لأنه فيه يحل، والمفعول فيه كالمفعول به، قال الشاعر:
لقد لمتني يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
والمعنى: بنائم المطي فيه. ومثله:
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
270 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق