وتقول فيما كان من الأماكن مرسلاً: أنت مني عدوة الفرس، وأنت مني دعوى الرجل؛ لأنه أراد: بيني وبينك، ولم يرد: أنت في هذا المكان، فإنما ينبئ عن هذا معناه.
وتقول: موعدك باب الأمير، إذا جعلته هو الموعد، وتنصب إذا أردت أن تجعله ظرفاً كأنك قلت: موعدك حضرة باب الأمير أي في ذلك الموضع؛ لأنك إذا أردت حضرة كانت شيئاً عاماً.
وكذلك ما كان من المصادر حيناً فإن تقديره حذف المضاف إليه وذلك قولك: موعدك مقدم الحاج، وخفوق النجم، وكان ذلك خلافة فلان، فالمعنى في كل ذلك: وقت خفوق النجم، وزمن مقدم الحاج، وزمن خلافة فلان. وعلى هذا قال الشاعر:
وما هي إلا في إزار وعلقة ... معار ابن همام على حي خثعما
أي في هذا الوقت. فأما قولهم: هو مني مقعد القابلة، ومنزلة الولد، فإنما أراد أن يقرب ما بينهما. وإذا قال: هو مني مناط الثريا فإنما معنى هذا أبعد البعد.
قال الشاعر:
وإن بنى حرب كما قد علمتم ... مناط الثريا قد تعلت نجومها
فجملة هذا الباب أنه: كل ما تصرف جاز أن يجعل اسماً، ويكون فاعلاً ومفعولاً، وكل ما امتنع من ذلك لم يزيدوا به على الظرف. وأما قوله:
فوردن والعيوق مقعد رابئ الضرباء خلف النجم لا يتتلع
فإنما أراد التقريب، وأراد: مقعد رابئ الضرباء من الضرباء.
وأما قوله:
عزمت على إقامة ذي صباح ... لشيء ما يسود من يسود
فإنما اضطر، فأجراه اسماً. ولو جاز مثله في الضرورة لجاز سير به ذو صباح.
وأما قولنا في حيث إنها لا تتمكن فإنها تحتاج إلى تفسير على حيالها. فذلك لأن حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، تجري مجراها، وتحتاج إلى ما يوضحها؛ كما يكون ذلك في الحين. إلا أن حين في بابها، وهذه مدخلة عليها؛ فلذلك بنيت، وذلك قولك: قمت حيث زيد قائم، وقمت حيث قام زيد، ولا يجوز قمت حيث زيد؛ كما تقول: قمت في مكان زيد، وإنما يوضحها ما يوضح الأزمنة.
ألا ترى أنك تقول: آتيك إذا قام زيد، وجئتك إذا قام زيد، وحين قام زيد، وجئتك حين زيد أمير، ويوم عبد الله منطلق. فهذا تأويل بنائها؟
هذا باب
إضافة الأزمنة إلى الجمل
اعلم أنه ما كان من الأزمنة في معنى إذ فإنه يضاف إلى الفعل والفاعل، وإلى الابتداء والخبر؛ كما يكون ذلك في إذ.
وذلك قولك: جئتك إذ قام زيد، وجئتك إذ زيد في الدار. فعلى هذا تقول: جئتك يوم زيد في الدار، وجئتك حين قام زيد.
وإن كان الظرف في معنى إذا لم يجز أن يضاف إلا إلى الأفعال؛ كما كان ذلك في إذا.
ألا ترى أنك تقول: آتيك إذا قام زيد، وإذا طلعت الشمس، ولا يجوز. آتيك إذا زيد منطلق؛ لأن إذا فيها معنى الجزاء، ولا يكون الجزاء إلا بالفعل. تقول: إذا أعطيتني أكرمتك، وإذا قدم زيد أتيتك.
وقول الله عز وجل: " إذا السماء انفطرت " و " إذا السماء انشقت " معناه: إذا انشقت السماء، ولولا هذا الفعل لم يصلح أن يقع بعد إذا لما فيها من معنى الجزاء. فعلى هذا تقول: آتيك يوم يقوم زيد، ولا يجوز: آتيك يوم زيد منطلق، لما ذكرت لك. قال الله عز وجل: " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " وقال " هذا يوم لا ينطقون " .
فأما إذ فإنما يقع بعدها الجمل؛ لأنه لا معنى للجزاء فيها؛ لأنها ماضية لا تحتاج إلى الجواب. تقول: جئتك إذ قام زيد، وكان هذا إذ زيد أمير؛ كما تقول: هذا كان يوم الجمعة. فإذا كان بعدها فعل ماض قبح أن يفرق بينها وبينه.
تقول: جئتك إذ يقوم زيد، فإنما وضعت يقوم في موضع قائم لمضارعته إياه، وقام لا يضارع الأسماء. وإذ إنما تضاف إلى فعل وفاعل، أو ابتداء وخبر.
فإذا أضيفت إلى الفعل قدم، وإذا أضيفت إلى الابتداء قدم ولم يكن الخبر إلا اسماً أو فعلاً مما يضارع الأسماء.
ومما لا يجوز أن يكون ظرفاً: ناحية الدار، وجوف الدار؛ لأنها بمنزلة اليد والرجل. فكما لا تقول: زيد الدار، لا تقول: زيد جوف الدار حتى تقول في جوفها.
فإن قلت: زيد ناحية من الدار، أو زيد ناحية عن الدار، لا تريد بعضها حسن ذلك.
ومما لا يكون إلا ظرفاً ويقبح أن يكون اسماً سوى، وسواء ممدودة بمعنى سوى. وذلك أنك إذا قلت: عندي رجل سوء زيد فمعناه: عندي رجل مكان زيد، أي يسد مسده، ويغني غناءه.
وقد اضطر الشاعر فجعله اسماً؛ لأن معناه معنى غير، فحمله عليه، وذلك قوله:
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
273 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق