وكذلك: سرت فرسخاً؛ لأن السير لا يخلو من أن يكون فرسخاً أو بعضه. وجلست خلفك لا ينفك منه شيء أن يكون خلف واحد، وإنما أضافه بعد أن كان مطلقاً، وكذلك: قمت أمامك، ونحوه.
فإن قال: جلست الدار يا فتى، أو قمت المسجد، أو قمت البيت لم يجز؛ لأن هذه مواضع مخصوصة ليس في الفعل عليها دليل. فكل ما كان في الجملة مما يدل عليه الفعل فهو متعد إليه، وما امتنع من ذلك فهو ممتنع منه.
فأما دخلت البيت فإن البيت مفعول. تقول: البيت دخلته. فإن قلت: فقد أقول: دخلت فيه. قيل: هذا كقولك: عبد الله نصحت له ونصحته، وخشنت صدره، وخشنت بصدره فتعديه إن شئت بحرف، وإن شئت أوصلت الفعل؛ كما تقول: نبأت زيداً يقول ذاك، ونبأت عن زيد. فيكون نبأت زيداً مثل أعلمت زيداً، ونبأت عن زيد مثل خبرت عن زيد.
ألا ترى أن دخلت إنما هو عمل فعلته، وأوصلته إلى الدار، لا يمتنع منه ما كان مثل الدار. تقول: دخلت المسجد، ودخلت البيت. قال الله عز وجل، " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله " . فهو في التعدي كقولك: عمرت الدار، وهدمت الدار، وأصلحت الدار لأنه فعل وصل منك إليها، مثل ضربت زيداً. فعلى هذا تجري هذه الأفعال في المخصوص والمبهم.
فأما ما لا يتمكن من ظروف المكان والزمان، فسأصف لك حروفاً تدل على العلة فيما جرى مجراها، لتتناول القياس من قرب إن شاء الله.
فأما عند فالذي منعها من التمكن أنها لا تخص موضعاً، ولا تكون إلا مضافة. فإذا قلت: جلست عند زيد فإنما معناه: الموضع الذي فيه زيد، فحيث انتقل زيد فذلك الموضع يقال له عند زيد. فهي بمنزلة حيث في أنها لا تخص موضعاً، إلا أن حيث توضح بالابتداء والخبر، وبالفعل والفاعل، لعلة نذكرها إن شاء الله.
وهذه تضاف إلى ما بعدها، ولا يجوز أن تدخل عليها من حروف الإضافة إلا من تقول: جئت من عند زيد، ولا يجوز أن تقول: ذهبت إلى هند زيد؛ لأن المنتهى غاية معروفة، وليس عند موضعاً معروفاً.
ومن للابتداء، وليست للمستقر. فهذا أصل عند. وإن اتسعت، واتساعها نحو قولك: أنت عندي منطلق؛ لأن عند للحضرة، وإنما أراد: فيما يحضرني في نفسي.
وإنما هذا بمنزلة قولك: على زيد ثوب. فإنما يريد أنه قد علاه، ثم تقول: عليه دين، تريد أنه قد علاه وقهره. وكقولك: زيد في الدار، أي يحل فيها، ثم تقول: في زيد خصلة حسنة، فجعلته كالوعاء لها. فلقلة تمكن عند لا يجوز أن تجري مجرى الأسماء غير الظروف. لو قلت: سير بزيد عندك؛ كما تقول: سير بزيد أمامك لم يجز ولا تقول: إن عندك حسن، كما تقول: إن مكانك حسن.
وكذلك لدن لأن معناها معنى عند. فكل ما كان غير متمكن في بابه فغير مخرج منه على جهة الاتساع إلى باب آخر.
ألا ترى أن خلف، وأمام، وقدام، ونحو ذلك يتصرفن؛ لأن الأشياء لا تخلو منها، وليس الوجه مع ذلك رفعها حتى تضيفها فتقول: خلف كذا، وأمام كذا، حتى تعرف الشيء بالإضافة.
ولو قلت: سير بزيد خلف للدار، أو أمام للدار جاز على بعد؛ لأنه نكرة، وإن كانت اللام توجب معنى الإضافة، ولكنك إذا قلت: خلف لها جعلته مبهماً، ثم علقته بها كقولك: هذا غلام لزيد. فقد علمنا أنه في ملك زيد، وليس المعروف به. فإذا قلت: غلام زيد فهو مثل أخو زيد، أي المعروف به؛ كما قال لبيد بن ربيعة:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها، وأمامها
والأجود في هذا ألا يجري إلا ظرفاً لإبهامه وإن كان مضافاً. فإذا قلت: خلفك واسع فالرفع لا غير، لأنه ليس بظرف، وإنما خبرت عن الخلف؛ كما تقول: زيد منطلق.
وكذلك يوم الجمعة يوم مبارك. وإنما الظروف أسماء الأمكنة والأزمنة، فإن وقع فيها فعل نصبها؛ كما ينصب زيداً إذا وقع به، إلا أن زيداً مفعول به وهذه مفعول فيها.
وتقول: وسط رأسك دهن يا فتى؛ لأنك خبرت أنه استقر في ذلك الموضع، فأسكنت السين ونصبت لأنه ظرف.
وتقول: وسط رأسك صلب؛ لأنه اسم غير ظرف، وتقول: ضربت وسطه؛ لأنه المفعول به بعينه. وتقول: حفرت وسط الدار بئراً إذا جعلت الوسط كله بئراً؛ كقولك: خرب وسط الدار.
وكل ما كان معه حرف خفض فقد خرج من معنى الظرف، وصار اسماً صح كقولك: سرت في وسط الدار؛ لأن التضمن ل في.
وتقول: قمت في وسط الدار، كما تقول: قمت في حاجة زيد، فتحرك السين من وسط؛ لأنها هنا ليست بظرف.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
272 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق