أما غدوة، وبكرة فاسمان متمكنان معرفة، لا ينصرفان من أجل التأنيث. تقول: سير عليه بكرة يا فتى، وغدوة إذا أقمت بكرة مقام الفاعل، وإن أردت نصبه على الظرف فكذلك تقول: سير عليه بكرة يا فتى، وغدوة يا فتى.
وإنما صارا معرفة؛ لأنك بنيت غدوة اسماً لوقت بعينه، وبكرة في معناها.
ألا ترى أنك تقول: هذه غداة طيبة، وجئتك غداةً طيبة، ولا تقول على هذا الوجه: جئتك غدوةً طيبة، ولكن تقول: آتيك يوم الجمعة غدوة يا فتى.
فإن ذكرت صرفت، فقلت: سير عليه غدوة من الغدوات، وبكرة من البكر؛ نحو قولك: رأيت عثماناً آخر، وجاءني زيد من الزيدين.
قال الله عز وجل: " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً " وقرأ بعضهم " بالغدوة والعشي " فأدخل الألف واللام على غدوة.
وأما ضحىً، وضحى تصغير ضحى، وعشية، وعتمة، وعشاء، وبصر، وظلام، وصباح مساء فإن أردت بهن النكرات فهن متصرفات. تقول: سير عليه عشية من العشايا، وضحوة من الضحوات، وتنصب إن شئت على الظرف. وكذلك سير به عتمة، وعشاء.
فإن عنيت اليوم الذي أنت فيه والليلة التي أنت فيها لم ترفع من ذلك شيئاً، وتنون؛ لأنهن نكرات.
وتقول: سير عليه عشيةً، وعشاءً، وعتمةً، ومساءً. وإنما قل تصرفه؛ لأنك وضعته وهو نكرة في موضع المعرفة إذا عنيت به يومك وليلتك. فإن صيرته نكرة رددته إلى بابه وأصله فتصرف.
وأما سحر فمعدول لا ينصرف، وإنما عدل عن الألف واللام كأخر. وهذا يفسر فيما ينصرف وما لا ينصرف. وكذلك إن صغرته فقلت: سير به سحيراً صرفته؛ لأن فعيلاً لا يكون معدولاً. ولكن ترفعه بما ذكرت من قلة تمكنه. فإن نكرته انصرف، وجرى على الوجوه؛ لأنه في بابه، فقلت: سير عليه سحرا، أي سحر من الأسحار، ويجوز نصبه على الظرف، قال الله عز وجل: " إلا آل لوط نجيناهم بسحر " فهذا جملة هذا الباب.
هذا باب
لا التي للنفي
اعلم أن لا إذا وقعت على نكرة نصبتها بغير تنوين؛ وإنما كان ذلك لما أذكره لك: إنما وضعت الأخبار جوابات للاستفهام. إذا قلت: لا رجل في الدار لم تقصد إلى رجل بعينه، وإنما نفيت عن الدار صغير هذا الجنس وكبيره. فهذا جواب قولك: هل من رجل في الدار؟ لأنه يسأل عن قليل هذا الجنس وكثيره.
ألا ترى أن المعرفة لا تقع ها هنا؛ لأنها لا تدل على الجنس، ولا يقع الواحد منها في موضع الجميع. فلو قلت: هل من زيد؟ كان خلفاً. فلما كانت لا كذلك كان دخولها على الابتداء والخبر كدخول إن وأخواتها عليهما، فأعملت عمل إن.
فأما ترك التنوين، فإنما هو لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد كخمسة عشر.
فإن قيل: أيكون الحرف مع الاسم اسماً واحداً؟ قيل: هذا موجود معروف. تقول: قد علمت أن زيداً منطلق ف أن حرف، وهي وما عملت فيه اسم واحد، والمعنى: علمت انطلاق زيد، وكذلك: بلغني أن زيداً منطلق. فالمعنى: بلغني انطلاق زيد.
وكذلك أن الخفيفة مع الفعل إذا قلت: أريد أن تقوم يا فتى إنما هو: أريد قيامك، وكذلك يسرني أن تقوم، معناه: يسرني قيامك.
ف لا والاسم الذي بعدها المنكور بمنزلة قولك: يا ابن أم جعل اسماً واحداً؛ كما جعل خمسة عشر، والثاني في موضع خفض بالإضافة، وكذلك لا رجل في الدار. رجل في موضع نصب منون، إلا أنهما جعلا اسماً واحداً بمنزلة ما ذكرت لك.
والدليل على أن لا وما عملت فيه اسم قولهم: غضبت من لا شيء يا فتى، وجئت بلا مال كقوله:
حنت قلوصي حين لا حين محن
جعلهما اسماً واحداً.
ولا يجوز أن يكون هذا النفي إلا عاماً. من ذلك قول الله عز وجل " لا عاصم اليوم من أمر الله " وقال " لا ريب فيه " وقال: " لا ملجأ من الله إلا إليه " .
فإن قدرت دخولها على شيء قد عمل فيه غيرها لم تعمل شيئاً، وكان الكلام كما كان عليه؛ لأنك أدخلت النفي على ما كان موجباً، وذلك قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟ فتقول: لا زيد في الدار ولا عمرو.
وكذلك تقول: أرجل في الدار أم امرأة؟ فالجواب: لا رجل في الدار ولا امرأة. لا تبالي معرفةً كانت أم نكرةً. وعلى هذا قراءة بعضهم: " لا خوف عليهم " ومن قرأ: " لا خوف عليهم " فعلى ما ذكرت لك.
وأما قوله: " ولا هم يحزنون " فلا يكون هم إلا رفعاً؛ لأن لا لا تعمل في المعارف. وسأبين لك هذا إن شاء الله.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
275 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق