العم أنك لا تعطف اسماً على اسم، ولا فعلاً على فعل في موضع من العربية إلا كان مثله. تقول: مررت بزيد وعمرو، ورأيت زيداً وعمراً، وأنا آتيك وأكرمك، ولا تذهب فتندم، أي: لا تذهب ولا تندم، ولم يرد الجواب.
وتقول: لا رجل وغلاماً. عطفت غلاماً على رجل. وحق الرجل أن ينون، ولكن البناء منعه من ذلك؛ كما تقول: مررت بعثمان وزيد، فموضع عثمان خفض، غير أنه لا ينصرف. فجرى المنصرف على موضعه.
فإن قلت: لا رجل ولا غلام في الدار ولا حول ولا قوة إلا بالله فإنما عطفت الثاني على لا وما عملت فيه؛ لأنها والذي عملت فيه في موضع اسم مرفوع مبتدأ، ولا بد للمبتدأ من خبر، مضمر أو مظهر.
ونظير ذلك: كل رجل ظريف في الدار، إن جعلت ظريفاً نعتاً للرجل، وإن جعلته لكل رفعت فقلت: كل رجل ظريف في الدار.
وتقول: كل رجل وغلام عندك فإن حملت الغلام على كل رفعت، وصار واحداً؛ لأن ما بعد كل إذا كان واحداً نكرة فهو في معنى جماعة إذا أفردوا واحداً واحداً. يدلك على ذلك قولهم: جاءني كل اثنين في الدار؛ لأن معناه: إذا جعلوا اثنين اثنين.
وتقول: لا رجل في الدار ولا غلام يا فتى. إن جعلت لا الثانية للنفي كقولك: ليس رجل في الدار وليس غلام.
وإن جعلت لا للعطف مثل: ما مررت بزيد ولا عمرو وقلت: لا رجل في الدار ولا غلاماً إن عطفته على رجل، وإن عطفته على لا رفعت.
وتقول: لا أخا لك، ولا أبا لزيد. إن كانت لا للنفي. وإن كانت للعطف قلت: ولا أباً لزيد. لا يجوز غير ذلك؛ لأن اللام دخلت على المنفي لا في المعطوف عليه؛ كما دخلت في النداء، ولم تدخل في المعطوف عليه لأنك تقول: يا بؤس للحرب. ولا تقول: يا بؤس زيد. وبؤس للحرب، لأن النداء يحتمل ما لا يحتمله المعطوف، وكذلك المنفي، تقول: يا زيد والحارث رفعاً ونصباً، ولو ولى الحارث حرف النداء لم يجز إلا أن تحذف منه الألف واللام؛ لأن الإشارة تعريف، فلا يدخل الألف واللام على شيء معرف بغيرهما.
ألا ترى أن تقدير من قال: الحارث والعباس إنما يحكي حالهما نكرة، وهما وصف؛ لأنه يريد الشيء بعينه، ولا تقول على هذا: جاءني العمر، إلا أن تسميه بجمع عمرة، فتحكي تلك الحال.
والنفي بمنزلة النداء فيما يحتمل. تقول: لا رجل في الدار، ولا تقول: وغلام في الدار، حتى تنون الغلام على ما وصفت لك.
وتقول: لا رجلين مسلمين لك. لا بد من إثبات النون؛ لأن مسلمين نعت، وليس بالمعتمد عليه بالنفي، وإنما يحذف من المنفي لا من نعته؛ كما تقول في النداء: يا رجل الظريف أقبل، فإنما تحذفان من المنادى؛ ولا تحذفان من وصفه لما ذكرت لك.
هذا باب
الاستثناء
والاستثناء على وجهين: أحدهما: أن يكون الكلام محمولاً على ما كان عليه قبل دخول الاستثناء. وذلك قولك: ما جاءني إلا زيد، وما ضربت إلا زيداً، وما مررت إلا بزيد.؟ فإنما يجري هذا على قولك: جاءني زيد، ورأيت زيد، ومررت بزيد، وتكون الأسماء محمولة على أفعالها.
وإنما احتجت إلى النفي والاستثناء؛ لأنك إذا قلت: جاءني زيد فقد يجوز أن يكون معه غيره. فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد نفيت المجيء كله إلا مجيئه، وكذلك جميع ما ذكرنا.
والوجه الآخر: أن يكون الفعل أو غيره من العوامل مشغولاً، ثم تأتي بالمستثنى بعد. فإذا كان كذلك فالنصب واقع على كل مستثنى، وذلك قولك: جاءني القوم إلا زيداً، ومررت بالقوم إلا زيداً.
وعلى هذا مجرى النفي. وإن كان الأجود فيه غيره؛ نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، وما مررت بأحد إلا زيد، وذلك لأنك لما قلت: جاءني القوم وقع عند السامع أن زيداً فيهم، فلما قلت: إلا زيداً كانت إلا بدلاً من قولك: أعني زيداً، وأستثني فيمن جاءني زيداً، فكانت بدلاً من الفعل.
وهي حرف الاستثناء الأصلي. وحروف الاستثناء غيرها ما أذكره لك: أما ما كان من ذلك اسماً فغير وسوى، وسواء. وما كان حرفاً سوى إلا فحاشا، وخلا. وما كان فعلاً فحاشا، وخلا وإن وافقا لفظ الحروف، وعدا، ولا يكون.
هذا باب
المستثنى من المنفي
تقول: ما جاءني أحد إلا زيد، وإلا زيداً. أما النصب فعلى ما فسرت لك، وأما الرفع فهو الوجه لما أذكره لك إن شاء الله.
تقول: ما جاءني أحد إلا زيد. فتجعل زيد بدلاً من أحد، فيصير التقدير ما جاءني إلا زيد؛ لأن البدل يحل محل البدل منه.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
279 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق