التّافهة، والتّعصب المفرّق بين الإخوة الأشقّاء، قائلا: «ونحن كلّنا تجْمعُنا كلمة التّوحيد» (¬1)، ويشنّع على الجمود وانعدام الاجتهاد والابتكار والإضافة حتّى في علوم الدّين وغياب التّحرّر من مقولات القدامى والمحدثين (¬2)، ويشهّر بالانغماس في النّفاق والغدر والفساد والانشغال عن العدوّ (¬3)، ويبدي مواقف إيجابيّة إزاء بعض البدع (¬4) وبعض المعتقدات الخاطئة (¬5)، وعقليّة الكسل والخمول (¬6).
وكأنّ الشّيخ يومئ إلى أنّ ظاهرة الخلاف بين المسلمين التّاريخيّة القديمة كان للصّحابة نصيب منها، حينما يقول ناقدًا واقع التفكّك والتّنازع، مغتنمًا الفرصة لتجديد الكلام عن أحداث الفتنة: «وقد كان هذا الخلاف والزّلل في زمان الصّحابة، كما أعطى عثمان بن عفّان ابن الطّريد مروان بن الحكم خمس إفريقيّة ستّمائة ألف دينار، وكما كان يعزل عمّال عمر ويستخلف أقاربه كسعد بن أبي وقّاص أبدل به الوليد بن عقبة وكان أخا عثمان لأمّه، وكعمرو بن العاص أبدل به عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان أخاه من الرّضاع وكأبي موسى الأشعريّ أبدل به عبد الله بن عامر بن كريز وهو ابن خاله، واستكتب مروان بن الحاكم بن أبي العاصي وهو ابن عمّه، واجتماع أمثال هذه الأمور ونحوها مُسقِطةٌ لأن يقال فيه: فعل ذلك لمصلحة شرعيّة اقتضاها الحال، وقد ندم عليّ بن أبي طالب على قتل مَن قتل وقال إنّهم أصحاب القرآن والتّوراة والإنجيل إلاّ أنّه لمْ يكمل ندمه، وقد قالوا: لا ننزع منك اسم الإمامة وقد تثبت لك، ولو كره معاوية، وقد ارتضاهم الإمام عمر بن عبد العزيز وأثبت الإمامة لعليّ، وفي المسعودي: ارتقى الأمر بأصحاب معاوية إلى أن جعلوا لعْن عليّ سنّة ينشأ عليها الصّغير ويهلك عليها الكبير ويلعنونه على المنابر» (¬7).
إنّ اطفيش يبين من خلال هذه القراءة التّاريخيّة النّقديّة توقه إلى واقع نقيّ من مظاهر الفساد والعبث والأنانيّة وطغيان المصالح الفرديّة والحسابات الشّخصيّة التي تؤجّج نار التّباغض بين الأشقاء وتوسّع دائرة التّصدّع والتّشرذم، وهو يطمح إلى توحّد يتأسّس على التّناصر لا التّخاذل.
غير أنّ صاحب "تيسير التّفسير" يعبّر أحيانًا عن عقليّة شعبيّة كانت سببًا من أسباب
¬__________
(¬1) ـ تيسير التفسير ج 4 ص 69/ ج 5 ص 339.
(¬2) ـ م. ن. ج 5 ص 339.
(¬3) ـ م. ن. ج 4 ص 69/ ج5 ص 340.
(¬4) ـ م. ن. ج15 ص 324، وتأمّل ج14 صص 366 ـ 370 فهو يتكلّم عن البدعة والابتداع بمنهج معتدل متفتّح يتبطّنه وعي بطبيعة الحياة والفكر المتغيّرة، ويرى أنّ مِنَ البدَع ما هو واجب، ومستحبّ، إلى جانب ما هو مكروه، وحرام، ويخصّص حديث "كلّ بدعة ضلالة" (مسْلم، ح867 - كتاب الجمعة).
(¬5) ـ تيسير التفسير ج8 ص 424 / ج14 ص 192 / ج15 ص 190.
(¬6) ـ م. ن. ج 16 ص 282.
(¬7) ـ م. ن. ج5 ص 340.
Post Top Ad
الأحد، 7 مارس 2021
الرئيسية
دروس مستفادة من حياة العلاَّمة اطفيش القطب الجزائري
45 دروس مستفادة من حياة العلاَّمة اطفيش القطب الجزائري الصفحة
45 دروس مستفادة من حياة العلاَّمة اطفيش القطب الجزائري الصفحة
التصنيف:
# دروس مستفادة من حياة العلاَّمة اطفيش القطب الجزائري
عن MaKtAbA
دروس مستفادة من حياة العلاَّمة اطفيش القطب الجزائري
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق