ومن الظواهر الغريبة في الجنس البشري التفاوت الذي لا يحُد بمقياس بين أفراده وهي ظاهرة إن وجُدت في غيره فهي نسبية، فبينما ترى إنسانا لا ترتفع همته فوق موطىء قدميه شبرا واحدا إذا بآخر تعلو هممه حتى تسبح مع النجوم في أفلاكها، وبينما تشاهد جماعات من الناس هم أشبه ما يكونون بالحشرات المؤذية والزواحف السامة، إذا بك ترى آخرين كأنما هم طائفة من ملائكة الرحمة، وبينما تجد أحدا من الناس لا يعلو تفكيره شهوته البهيمية، وغريزته السبعية إذا بك تجد غيره يمشي على الأرض وهو يعيش بفكره، وبصيرته مع الملأ الأعلى، وكم تجد إنسانا أضيق صدرا من سم الخياط، وآخر أوسع صدرا من رحاب الفضاء وهذه الظاهرة إن دلت على شيء فإنما تدل على اختصاص الله سبحانه هذا الجنس من مخلوقاته بما لا يكُتنه من مواهبه وعلى أن تكوينه يتميز بطابع الاستعداد للترقي في مدارج الكمال، وإنما انحطاط الذين سفلوا يكون غالبا بسبب إيثار الدنيا والإخلاد إليها من قبل أنفسهم، وهذا الاختصاص الرباني لهذا النوع الإنساني بهذه المزية العظمى ما هو إلا مظهر ترشيحه لمنصب الخلافة الذي تحدثت عنه هذه الآية .
الإنسان خليفة الله في الأرض
وارتباط الكلام هنا بما سبقه واضح، ذلك لأن فيها تقدم تذكيرا للإنسان بمختلف نعم الله الجُلى التي أفاضها على النوع الإنساني، ومنها خلق جميع ما في الأرض له، ثم الاستواء إلى السماء وتسويتهن سبع سماوات، وفي ذلك أيضا نعم لا تُحصى لأن الأرض مرتبطة بالأجرام السماوية برباط الجاذبية كما تقدم ، وبهذه التسوية أمكن للإنسان أن يستقر على الأرض، وأن يستمتع بمنافعها التي على ظهرها والتي في أعماق بطنها، وهذا التكريم الإلهي يترتب عليه ما ذكر هنا من تبوئة الإنسان لهذا المنصب الجليل، منصب الخلافة في الأرض الذي تحدثت عنه هذه الآية، وبعد هذه التوطئة الإجمالية لتفسيرها نأتي إلى تفصيل ألفاظها ومعانيها: -
(
Post Top Ad
الجمعة، 23 أبريل 2021
الرئيسية
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
10 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
10 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
التصنيف:
# جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
عن MaKtAbA
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق