ب- الانسجام المعهود في آي القرآن وارتباط بعضها مع بعض، وهو لا يكون إلا بتفسير النظر بالانتظار، فإن الآيات قسمت الناس يومئذ إلى طائفتين، إحداهما: وجوهها ناضرة -أي مبتهجة مشرقة بما ترجوه من ثواب الله- إلى ربها ناظرة أي منتظرة لرحمته ودخول جنته، والأخرى: مباينة لها في أحوالها، فوجوهها باسرة -أي كالحة مكفهرة لما تتوقعه من العذاب- تظن أن يفعل بها فاقرة أي تتوقع أن ينزل بها ما يقطع فقار ظهورها، فنضارة هذه الوجوه مقابل ببسور تلك، وانتظار هذه لرحمة الله ودخول جنته مقابل بتوقع تلك للعذاب، ولو فسر النظر هنا بمعنى الرؤية لتقطع هذا الوصل بين الآيات، وتفكك رباطها، وذهب انسجامها، إذ لا تقابل بين الرؤية وما وصفت به تلك من ظنها أمراً يقطع فقارها، ومثل هذه النكت البلاغية لا تفوت البلغاء في كلامهم؛ منثوره ومنظومه، فما بالكم بكلام الله تعالى الذي هو أدق في التعبير، وأبلغ في التصوير، وأكثر انسجاماً وأشد ترابطاً من كل كلام، كيف لا وهو كلام الله جل؟) (¬1) .
... نجد أن الطحان لم يتعقب هذا الكلام بما يدحضه ويبين أن فيه شيئاً من العوار.
... ثم قلت:-
(ج- أن هذا التأويل هو الذي يتفق مع ما في خاتمة "عبس" وهو قوله سبحانه: { وجوه يومئذ مسفرة - ضاحكة مستبشرة - ووجوه يومئذ عليها غبرة - ترهقها قترة } (¬2) إذ لا فارق بين ما وصفت به وجوه المؤمنين هنا من الاستبشار، ووصفت به في آية القيامة من النظر بمعنى الانتظار، فإن المنتظر للرحمة مستبشر بها والمستبشر منتظر لما استبشر به.
د- أن تقديم المعمول على عامله يؤذن بقصره عليه، فتقديم { إلى ربها } على { ناظرة } يؤذن أنها لا تنظر إلا إليه وهو لا يتفق إلا مع تفسير النظر بالانتظار، فلو كان المراد به الرؤية لاقتضى أنهم لا يرون شيئاً غيره تعالى مع ما هو معروف عقلاً ونقلاً من رؤية بعضهم لبعض، ورؤيتهم لما أعد الله لهم من النعيم.
¬__________
(¬1) الحق الدامغ ص43.
(¬2) عبس 38-41.
Post Top Ad
الأحد، 11 أبريل 2021
13 وسقط القناع لأحمد الخليلي الصفحة
التصنيف:
# وسقط القناع لأحمد الخليلي
عن Qurankariim
وسقط القناع لأحمد الخليلي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق