ومن مظاهر هذا التكريم أيضا سنة التطور التي اختص الله بها الجنس البشري دون غيره، فسائر المخلوقات – وإن تعاقبت عليها القرون وتوالت عليها الأحقاب – لا تتبدل أحوالها ولا تتغير أوضاعها، بخلاف الناس الذين أودع الله سبحانه وتعالى في طبائعهم ملكات التطور حتى صاروا ينتقلون من وضع إلى غيره ويرتقون من حال إلى أخرى كما هو ظاهر في حياة الناس الفكرية، والإدارية، والصناعية، غيرها.. فقد كان الناس يستخدمون في أسفارهم الدواب وأرماث البحر إذا أرادوا أن يريحوا أقدامهم من جهد السير، وكواهلهم من عناء الحمل، ويكلفهم ذلك جهدا جسيما، كما ينتهب منهم جانبا من أعمارهم،ثم أخذوا ينتقلون من طور إلى آخر حتى بلغوا الآن في طي المسافات واختصار مراحل الأسفار إلى الاستغناء ببضع ساعات فيما كان يكلفهم شهورا وأعواما حتى ليظن الظان أنهم طويت لهم الأرض وزوى لهم الفضاء ، وقس على ذلك بقية مطالب الحياة، وقل مثل ذلك في الانتفاع بما أودع الله تعالى هذه الأرض من مصالح للناس لم تكتشفها إلا الأجيال المتأخرة بفضل ما آتاهم الله تعالى من علم، فكم من معدن يُعد في وقتنا هذا من أكبر الثروات وأنفس المنتوجات لم يكن يزن شيئا في عهود الآباء والأجداد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الله سبحانه هيأ هذا الإنسان لمنصب كبير لا يرقى إليه غيره، وهو الخلافة في الأرض كما تقص علينا هذه الآية الكريمة.
وبجانب هذا التكريم الإلهي لهذا الكائن البشري فإن الله ابتلاه بنقص ذاتي لئلا يذهب به الغرور إلى أنه أوتي ما أوتي باستحقاقه، وأنه مستغنٍ بذاته عن غيره، ومن مظاهر هذا النقص الضعف الجسمي، فإن كل ما يصيبه يؤلمه أكثر من إيلام غيره من المخلوقات الحية، وجسده أضعف من أجساد الحيوانات في احتمال حرارة الصيف وبرودة الشتاء.
Post Top Ad
الجمعة، 23 أبريل 2021
الرئيسية
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
8 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
8 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
التصنيف:
# جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
عن MaKtAbA
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق