وهي حروف الاستعلاء، وهي سبعة أحرف: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والقاف، والخاء، والعين. وذلك أنها حروف اتصلت من اللسان بالحنك الأعلى، وإنما معنى الإمالة: أن تقرب الحرف مما يشاكله من كسرةٍ أو ياءٍ. فإن كان الذي يشاكل الحرف غير ذلك ملت بالحرف إليه، فهذه الحروف منفتحة المخارج؛ فلذلك وجب الفتح. تقول: هذا عابد، وعالم، وعاند. فإذا جاءت هذه الحروف عينات ولامات في فاعل منعت الإمالة لما فيها، فقلت: هذا ناقد، ولم يجز ناقد من أجل القاف، وكذلك ضابط، وضاغط. فإن كانت هذه الحروف في موضع الفاءات من فاعل منعت الإمالة لقربها، وهي بعد الألف أمنع؛ لئلا يتصعد المتكلم بعد الانحدار. وذلك قولك: هذا قاسم، وصالح، وطالع، ولا تجوز الإمالة في شيءٍ من ذلك. فإن كان الحرف المستعلي بينه وبين الألف حرفٌ، والمستعلي متقدمٌ مكسور، فإن الإمالة حسنة. وذلك قولك: صفاف، وقفاف؛ لأن الكسرة أدنى إلى الألف من المستعلي، والنصب هاهنا حسن جداً، والإمالة أحسن لما ذكرت لك، وحسن النصب من أجل المستعلي. ولو كان المستعلي بعد حرف مكسور لم تجز الإمالة فيه؛ لأن المستعلي أقرب إلى الألف فهو مفتوح. وذلك قولك: رقاب، وحقاف؛ وكذلك رصاص فيمن كسر الراء، لا يكون إلا النصب فإن كان المستعلي في كلمة مع الألف وكان بعدها بحرف أو حرفين لم تكن إمالة. وذلك قولك: مساليخ، وصناديق. فإن قلت: فما قبل المستعلي مكسورٌ، فهلا كان هذا بمنزلة قفاف، وصفاف؟ فمن أجل أن المستعلي إنما انحدرت عنه، وأنت هاهنا لو كسرت كنت مصعداً إليه.
واعلم أنك تقول: مررت بمال لك، ومررت بباب لك، وليس بالحسن؛ لأن الألفين منقلبتان من واوين، من: مولت، وبوبت، وليست الحركة بلازمة. إنما تحذف في الخفض في الوصل، ولا تكون في الوقف، ولا في غير الخفض، فليست كعين فاعل؛ لأن الكسرة لازمة لها، والألف زائدة. ولكن لو قلت: هذا ناب، وهذا عابٌ لصلحت الإمالة؛ لأن الألفين منقلبتان من ياءٍ؛ لأنه من العيب، ومن قولك: نيبت في الأمر، وناب وأنياب، والنصب أحسن؛ لأن اللفظ أولى وليس في اللفظ كسرة، وإنما صلحت الإمالة؛ لأن الألف ياء في المعنى. فجملة الباب: أنه كل ما كان في الياء، أو الكسرة فيه أثبت، فالإمالة له ألزم، إلا أن يمنع مانع من المستعلية.
هذا باب
الراء في الإمالة
اعلم أن الراء مكررةٌ في اللسان، ينبو فيها بين أولها وآخرها نبوةً، فكأنها حرفان. فإن جاءت بعد الألف مكسورةً مالت الألف من أجلها. وذلك قولك: هذا عارم، وعارف. فكانت الإمالة هاهنا ألزم منها في عابد، ونحوه. فإن وقع قبل الألف حرف من المستعلية، وبعد الألف الراء المكسورة حسنت الإمالة التي كانت تمتنع في قاسم ونحوه؛ من أجل الراء، وذلك قولك: هذا قارب، وكذلك إن كان بين الراء وبين الألف حرف مكسور إذا كانت مكسورة. تقول: مررت بقادر يا فتى، وترك الإمالة أحسن؛ لقرب المستعلية من الألف، وتراخي الراء عنها، وينشد هذا البيت على الإمالة والنصب أحسن لما ذكرت لك وهو:
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادرٍ ... بمنهمر جون الرباب سكوب
فإن لم يكن قبل الألف حرف من المستعلية، وكانت بعدها الراء على ما وصفت لك اختير إمالة الألف. وذلك قولك: من الكافرين. وإن قلت: من الكافر يا فتى، فالإمالة حسنة، وليس كحسنها في الكافرين؛ لأن الكسر في الكافرين لازم للراء وبعدها ياء، والكافر لا ياء فيه، وليست الكسرة بلازمة للراء إلا في الخفض، وهي في الجماعة تلزم في الخفض والنصب والوقف والإدراج، ولا تكون في الكافر في الوقف. فإن قلت: جاءني الكافر، فاعلم استوت الإمالة والنصب. فأما الإمالة فمن جهة كسرة الفاء. وأما النصب فإن الراء بعدها كحرفين مضمومين، وكذلك هي في النصب إذا قلت: رأيت الكافر يا فتى. ولو قلت: فلان باسطٌ يده، أو ناعق يا فتى، لم تصلح الإمالة من أجل المستعليين؛ لأن الراء - وإن كان قبلها التكرير - لا تحل محل المستعلية. ولو قلت: هذا قراب سيفك لصلحت الإمالة وإن كانت الراء مفتوحة؛ لأنها في الحقيقة في وزن حرف.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
142 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق