واعلم أن بني تميم يختارون فيما كان على وزن فعال من المؤنث إذا سمي به أن يكون بمنزلة سائر ما لا ينصرف، فيقولون: هذه حذام، ومررت بحذام يا فتى، ورأيت حذام. وأهل الحجاز يقولون: هذه حذام، ومررت بحذام. وقد بينا ذلك فيما ينصرف وما لا ينصرف. فإذا كان اسم من هذه الأسماء في آخره الراء اختارت بنو تميم مذهب أهل الحجاز؛ ليميلوا الألف؛ لأن إجناحها أخف عليهم، ولا سبيل إليه إلا أن يكسروا الراء. فيقولون: هذه حضار فاعلم، وطلعت حضار، والوزن، ومررت بسفار يا فتى. وينشدون هذا البيت للفرزدق:
متى ما ترد يوماً سفار تجد بها ... أديهم يرمي المستجيز المعورا
ومنهم من يمضي على لغته في الراء؛ كما يفعل في غيرها. قال الشاعر:
ومر دهرٌ على وبار ... فهلكت عنوةً وبار
والقوافي مرفوعة. ومما تمال ألفه ما كان قبلها فتحةٌ وفي ذلك الحرف ياء. وذلك قولك: نعم الله بك عينا، ورأيت زيناً، فالإمالة في هذا حسنة في الوقف من أجل الياء. فأما إذا وصلت فلا إمالة فيه من أجل أن الألف تذهب، ويصير مكانها التنوين. ولو قلت: هذا عمران لكانت الإمالة حسنة من أجل كسرة العين. فإن كان مكان الراء حرفٌ من المستعلية لم تصلح الإمالة؛ لأن المستعلي أقرب إلى الألف وهو مفتوح. فإن قلت فهذان مسلمان، فأملت من أجل كسرة اللام صلح، ويزيده حسنا علمك بأن النون مكسورة في الوصل، فإن قلت: مصلحان، أو مكرمان، لم تحسن الإمالة؛ لأنه لا كسر ولا ياء. فإن وصلت حسنت وهي بعيدة؛ لأن النون لا تلزمها الحركة في الوقف، كما أنك لو قلت: رأيت عنباً لم تكن إمالة؛ لأنه لا كسرة ولا ياء. وتقول: نعوذ بالله من النار، للتكرير الذي في الراء؛ لأن الحركة تلحق في الوصل. فإن قلت: وعد الكافرون النار، أو قلت: أحرقته النار، لم تكن إمالةٌ لما ذكرت لك. فأما قولهم: هذا رجل حجاج فلم تجز الإمالة؛ لأنه لا شيء يوجبها، ثم قالوا في الاسم الحجاج فإنما أمالوا للفصل بين المعرفة والنكرة، والاسم والنعت؛ لأن الإمالة أكثر، وليس بالحسن. النصب أحسن وأقيس.
هذا باب
ما يمال وينصب من الأسماء غير المتمكنة
والحروف
اعلم أنهم قالوا: ذا عبد الله، وهذا عبد الله، وقالوا في التهجي: باءٌ، وتاءٌ، وراءٌ؛ ليدلوا على أنها أسماء. فلو ألزمت النصب لالتبست بالحروف؛ لأن الحروف لا تصلح فيها الإمالة. فإن قلت: فهلا فعلوا ذلك في ما التي هي اسم لمضارعتها للحروف؛ لأنها لا تكون اسماً إلا بصلة، إلا في الاستفهام أو الجزاء، فهي في هذين مضارعة للحروف التي هي للاستفهام والجزاء. فأما في النفي فهي حرف وليس باسم، وكذلك هي زائدة في قولك: " فبما نقضهم ميثاقهم " ونحوه. فأما إما وحتى، وسائر الحروف التي ليست بأسماء فإن الإمالة فيها خطاٌ. ولكن متى تمال؛ لأنها اسم، وإنما هي من أسماء الزمان، ولا يستفهم بها إلا عن وقت. فأما عسى فإمالتها جيدةٌ؛ لأنها فعل، وألفها منقلبةٌ من ياء. تقول: عسيت؛ كما تقول: رمى ورميت. فأما على، وإلى فلا تصلح إمالتهما؛ لأن على من علوت، وهي اسم، يدلك على ذلك قولهم: جئت من عليه، أي: من فوقه قال الشاعر:
غدت من عليه تنفض الطل بعدما ... رأت حاجب الشمس اسيوى فترفعا
. قال الشاعر:
غدت من عليه بعد ما تم خمسها ... تصل وعن قيضٍ ببيداء مجهل
هذا باب
كم
اعلم أن كم اسم يقع على العدد، ولها موضعان: تكون خبراً، وتكون استفهاماً فمجراها مجرى عددٍ منون. وذلك قولك: كم رجلاً عندك؟ وكم غلاماً لك؟ تريد: أعشرون غلاماً أم ثلاثون، وما أشبه ذلك؛ كما أنك إذا قلت: أين عبد الله؟ أفي موضع كذا أو في موضع كذا؟ وإذا قلت: متى تخرج؟ فإنما معناه: أوقت كذا أم وقت كذا؟ إلا أنه يجوز لك في كم أن تفصل بينها وبين ما عملت فيه بالظرف فتقول: كم لك غلاماً؟ وكم عندك جاريةً؟ وإنما جاز ذلك فيها؛ لأنه جعل عوضاً لما منعته من التمكن. وأما عشرون ونحوها فلا يجوز أن تقول فيها: عشرون لك جارية، ولا خمسة عشر لك غلاماً إلا أن يضطر شاعر؛ كما قال حين اضطر:
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولاً كميلا
وقال الآخر:
في خمس عشرة من جمادى ليلةً ... لا أستطيع على الفراش رقادي
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
143 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق