فأما تقديره عندنا: أن المفعول مقدم، والفاعل مضمر، كأنه قال: عساك الخير أو الشر، وكذلك: عساني الحديث، ولكنه حذف؛ لعلم المخاطب به، وجعل الخبر اسماً على قولهم: عسى الغوير أبؤسا. وكذلك قول الأخفش: وافق ضمير الخفض ضمير الرفع في لولاي، فليس هذا القول بشيءٍ، ولا قوله: أنا كأنت، ولا أنت كأنا بشيءٍ، ولا يجوز هذا، إنما يتفق ضمير النصب، وضمير الخفض كاستوائهما في التثنية والجمع، وفي حمل المخفوض الذي لا يجري على لفظ النصب؛ مثل قولك: مررت بعمر. استوى فيه الخفض، والنصب وأدخلت الخفض على النصب، كما أدخلت النصب على الخفض، فهذان متواخيان. والرفع بائنٌ منهما. وأما لولا فنذكر أمرها في بابها إن شاء الله.
ومن هذه الحروف لعل تقول: لعل زيداً يقوم. ولعل حرف جاء لمعنى مشبه بالفعل كأن معناه التوقع لمحبوب أو مكروه. وأصله عل واللام زائدة فإذا قلت: لعل زيداً يأتينا بخير، ولعل عمراً يزورنا. فإنما مجاز هذا الكلام من القائل، أنه لا يأمن أن يكون هذا كذا. والخبر يكون اسماً؛ لأنها بمنزلة إن، ويكون فعلاً، وظرفاً؛ كما يكون في إن تقول: لعل زيداً صديقٌ لك، ولعل زيداً في الدار، ولعل زيداً إن أتيته أعطاك. إذا ذكرت الفعل فهو بغير أن أحسن؛ لأنه خبر ابتداء، وقال الله عز وجل: " لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً " وقال: " فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى " . فإن قال قائلٌ في الشعر: لعل زيداً أن يقوم جاز؛ لأن المصدر يدل على الفعل، فمجاز المصدر هاهنا كمجاز الفعل في باب عسى. قال الشاعر:
لعلك يوماً أن تلم ملمةٌ ... عليك من اللائي يدعنك أجدعا
ومن هذه الحروف كاد، وهي للمقاربة، وهي فعل. تقول: كاد العروس يكون أميراً، وكاد النعام يطير. فأما قول الله عز وجل: " إذا أخرج يده لم يكد يراها " فمعناه - والله أعلم - لم يرها، ولم يكد، أي: لم يدن من رؤيتها. وكذلك: " من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم " . فلا تذكر خبرها إلا فعلاً، لأنها لمقاربة الفعل في ذاته. فهي بمنزلة قولك: جعل يقول، وأخذ يقول، وكرب يقول، إلا أن يضطر شاعر، فإن اضطر جاز له فيها ما جاز في لعل. قال الشاعر:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
هذا باب
المبتدأ المحذوف الخبر استغناءً عنه
وهو باب لولا
اعلم أن الاسم الذي بعد لولا يرتفع بالابتداء، وخبره محذوف لما يدل عليه. وذلك قولك: لولا عبد الله لأكرمتك. ف عبد الله ارتفع بالابتداء، وخبره محذوف. والتقدير: لولا عبد الله بالحضرة، أو لسبب كذا لأكرمتك. فقولك: لأكرمتك، خبرٌ معلق بحديث لولا. ولولا حرف يوجب امتناع الفعل لوقوع اسم. تقول: لولا زيد لكان كذا وكذا. فقوله: لكان كذا وكذا، إنما هو لشيءٍ لم يكن من أجل ما قبله. ولولا إنما هي لو و لا، جعلتا شيئاً واحداً، وأوقعتا على هذا المعنى. فإن حذفت لا من قولك: لولا انقلب المعنى، فصار الشيء في لو يجب لوقوع ما قبله. وذلك قولك: لو جاءني زيد لأعطيتك، ولو كان زيد لحرمك. ف لولا الأصل لا تقع في إلا على اسم. ولو لا تقع إلا على فعل. فإن قدمت الاسم قبل الفعل فيها كان على فعل مضمر، وذلك كقوله عز وجل: " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي " . إنما أنتم رفع بفعل يفسره ما بعده. وكذلك:
فلو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
ومثل ذلك قول العرب: لو ذات سوارٍ لطمتني إنما أراد: لو لطمتني ذات سوارٍ، والصحيح من روايتهم: لو غير ذات سوار لطمتني وفيه خبر لحاتم. وقال الشاعر:
لو غيركم علق الزبير بحبله ... أدى الجوار إلى بني العوام
فغيركم يختار فيها النصب؛ لأن سببها في موضع نصب. وقولهم: لو أنك جئت لأكرمتك، وقد مر تفسيره في باب إن و أن.
هذا باب
المقصور والممدود
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
147 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق