واعلم أن قولهم: عيشةٍ راضيةٍ، ورجلٌ طاعمٌ كأسٍ. إنما هو على ذا. معناه: عيشة فيها رضًا، ورجل له طعام وكسوة. وكذلك همٌّ ناصب. إنما هو: فيه نصب. وكذلك كل مؤنث نعت بغير هاءٍ؛ نحو: طامث، وحائض، ومئتم، وطالق. فما كان من هذا مبنياً على فعل فهو كقولك: ضربت فهي ضاربة، وجلست فهي جالسة. قال الله عز وجل: " يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت " ، لأنه جاء مبنياً على أرضعت. وما كان على غير فعل فعلى معنى النسب الذي ذكرت لك. وذلك انك تريد: لها حيض، ومعها طلاق. وتأويله: هي ذات كذا. فأما قول بعض النحويين: إنما تنزع الهاء من كل مؤنث لا يكون له مذكر، فيحتاج إلى الفصل فليس بشيء؛ لأنك تقول: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وناقة ضامر، وبكر ضامر. وكذلك امرأة قتول، ورجل قتول، وامرأة معطار، ورجل معطار فهذا على ما وصفت لك. فأما قولهم: بعير عاضهٌ، وبعير حامضٌ فهو على هذا إنما معناه: أنه معتاد لأكل الحمض ولأكل العضاه. فوقع النسب على معنى قولك: هو كذا، فهذا بابه.
هذا باب
المحذوف والمزيد فيه
وتفسير ما أوجب ذلك فيهما
فمن المحذوف ما يكون حذفه قياساً؛ لأن العلة جارية فيه وذلك ما كان من باب وعد، ووزن، وقد مضى قولنا في ذلك. ومن ذلك ما كان آخره ألفاً أو ياءً أو واواً من الأفعال فإن الجزم يذهب هذه الحروف؛ لأن الجزم حذف الأواخر، فإذا صادفت الحرف متحركاً حذفت الحركة، وإن صادفنه ساكناً كان الحرف هو المحذوف، وبقي ما قبله على حركته وذلك قولك: لم يغز، ولم يخش، ولم يرم، فإذا وصلت قلت: لم يخش يا فتى، ولم يرم يا فتى، ولم يغز يا فتى. تدع الحركة على ما كانت عليه، لأنك حذفت الحرف للجزم فلم يكن لك على الحركة سبيلٌ؛ كما أنك لما حذفت الحركة من يضرب ونحوه لم يكن لك على الحرف سبيلٌ، فبقي كهيئته. فما كان من حذف لعلة تشمله فذلك جامع لبابه.
ومن المحذوف ما يحذف استخفافاً من الشيء؛ لأنه لا يكون أصلاً في بابه، ويكون الحرف الذي في آخره من الحروف التي أمرها الحذف، أو مضارعاً لها. فمن ذلك قولهم: لم أبلن ولم يك، ولا أدر. أما قولهم: لم يك فإن الحد لم يكن وهو الوجه، أسكنت النون للجزم، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين؛ كما تقول: لم أقل، ولم أبع. فأما من قال: لم أك فإنه لما رأى النون ساكنة، وكانت مضارعةً للياء والواو بأنها؛ تدغم فيهما، وتزاد حيث تزادان، فتكون للصرف، كما تكونان للإعراب، وتبدل الألف منهما، كما تبدل منها في قولك: اضربا، إذا أردت النون الخفيفة، وفي قولك: رأيت زيدا، وتحل محل الواو في قولك: بهراني، وصنعاني، وتحذف النون الخفيفة؛ كما تحذف الياء والواو لالتقاء الساكنين. وكانت تكون الأصل فيما مضى وما لم يقع. وذلك قولك: أقام زيد؟ فتقول: قد كان ذاك. وتقول: يقوم زيد، فتقول: يكون. فكانت العبارة دون غيرها من الأفعال. فقد بانت بعلة ليست في غيرها من أنها عبارة وترحمة، فحذقت لسكونها استخفافاً؛ فإن تحركت النون لم يجز حذفها. تقول: لم يك زيد منطلقا، ولا تقول: لم يك الرجل؛ لأنها تتحرك هاهنا لالتقاء الساكنين إذا قلتك لم يكن الرجل.
وأما لم أبله فإنه كثر في كلامهم، وكان الأصل في كل مطرح، وكان يقول في الوقف: لم أبال، فيلتقي ساكنان: الألف، واللام، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين؛ لكثرة هذه الحروف. ولولا كثرته لم يحذف؛ لأنه يلتقي ساكنان في الوقف. ومنهم من يقول: لم أبله؛ فيحذف الألف؛ لأنها زائدة لما ذكرت لك من كثرة هذه الحروف. فأما قولهم:
ويهاً فداءٌ لك يا فضاله ... أجره الرمح ولا تهاله
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
169 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق