ولكنها أسماءٌ وضعت للفعل تدل عليه، فأجريت مجراه ما كانت في مواضعها؛ ولا يجوز فيها التقديم والتأخير؛ لأنها لا تصرف تصرف الفعل؛ كما لم تصرف إن تصرف الفعل، فألزمت موضعاً واحداً، وذلك قولك: صه ومه، فهذا إنما معناه: اسكت، واكفف، فليس بمتعدٍّ، وكذلك: وراءك وإليك، إذا حذرته شيئاً مقبلاً عليه، وأمرته أن يتأخر، فما كان من هذا القبيل فهو غير متعدٍّ. ومنها ما يتعدى وهو قولك: عليك زيدا، ودونك زيدا، إذا أغريته. وكذلك: هلم زيدا، إذا أردت: هات زيدا فهذه اللغة الحجازية: يقع هلم فيها موقع ما ذكرنا من الحروف، فيكون للواحد وللاثنين والجمع على لفظٍ واحد، كأخواتها المتقدمات. قال الله عز وجل: " والقائلين إخوانهم هلم إلينا " . فأما بنو تميم فيجعلونها فعلاً صحيحاً، ويجعلون الهاء زائدة، فيقولون: هلم يا رجل، وللاثنين: هلما، وللجماعة: هلموا، وللنساء: هلممن؛ لأن المعنى: الممن، والهاء زائدة. فأما قول الله عز وجل: " كتاب الله عليكم " ، فلم ينتصب كتاب بقوله " عليكم " ، ولكن لما قال: " حرمت عليكم أمهاتكم " أعلم أن هذا مكتوبٌ عليهم، فنصب كتاب الله للمصدر؛ لأن هذا بدلٌ من اللفظ بالفعل؛ إذ كان الأول في معنى: كتب الله عليكم، وكتب عليكم. ونظير هذا قوله: " وترى الجبال تحسبها جامدةٌ وهي تمر مر السحاب صنع الله " ؛ لأنه قد أعلمك بقوله: " وهي تمر مر السحاب " أن ثم فعلاً، فنصب ما بعده؛ لأنه قد جرى مجرى: صنع الله. وكذلك: " الذي أحسن كل شيءٍ خلقه " . قال الشاعر:
ما إن يمس الأرض إلا منكبٌ ... منه وحرف الساق طي المحمل
لأنه ذكر على ما يدل على أنه طيان من الطي، فكان بدلاً من قوله طوى، وكذلك قوله:
إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكارٍ شايحت بكارها
لأن قوله: إذا رأتني معناه: كلما رأتني، فقد خبر أن ذلك دأبها؛ فكأنه قال: تدأب دأب بكار؛ لأنه بدل منه. ومثل هذا - إلا أن اللفظ مشتقٌّ من فعل المصدر، ولكنهما يشتبهان في الدلالة - قوله عز وجل: " وتبتل إليه تبتيلا " على: وبتل غليه، ولو كان على تبتل لكان تبتلاً. وكذلك: " والله أنبتكم من الأرض نباتاً " . لو كان على أنبت لكان إنباتاً. ولكن المعنى - والله أعلم - : أنه إذا أنبتكم نبتم نباتاً. وقال الشاعر:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا
وهذا كثيرٌ جداً.
ومن الحروف التي تجري مجرى الفعل ما يكون أشد تمكناً من غيره، وذلك أنك تقول للرجل - إذا أردت تباعده - : إليك فيقول: إلي. كأنك قلت: تباعد، فقال: أتباعد. وتقول: على زيدا، فمعناه: أولني زيدا، وتقول: عليك زيدا، أي: خذ زيدا. فإن سأل سائل عن اختلافها قيل: هي بمنزلة الأفعال التي منها ما يتعدى، ومنها ما لا يتعدى، ومنها ما يتعدى إلى مفعولين.
ومن هذه الحروف: حيهل فإنما هي اسمان جعلا اسماً واحداً، وفيه أقاويل: فأجودها: حيهل بعمر. فإذا وقفت قلت: حيهلا، فجعلت الألف لبيان الحركة. وجائزٌ أن تجعله نكرة فتقول: حيهلاً يا فتى، وجائزٌ أن تثبت الألف، وتجعله معرفة، فلا تنون والألف زيادة، ومعناه: قربه، وتقديره في العربية: بادر بذكره، وإنما حي في معنى: هلم. ومن ذلك قولهم: حي على الصلاة. قال الشاعر:
وهيج القوم من دارٍ فظل لهم ... يومٌ كثيرٌ تناديه وحيهلةٍ
وقال فيما أثبت فيه الألف:
بحيهلا يزجون كل مطيةٍ ... أمام المطايا سيرها متقاذف
وأدخل الباء عليه؛ لأنه اسم في موقع المصدر.
ومن أسماء الفعل رويد ولها باب تفرد به نذكره بعد هذا الباب إن شاء الله. ومن المصادر ويح، وويل، وويب، وإنما هي إذا قلت: ويلٌ لزيد في موضع: قبوحٌ لزيد. ولكن لم يجز أن يكون منها أفعال لعلة مشروحة في التصريف. وكذلك أفةً وتفة، وإنما هي في موضع: نتناً ودفراً. ومنها: سبحان الله، وريحانه، ومعاذ الله، وعمرك الله، وقعدك الله في النداء.
هذا باب
تفسير ما ذكرنا من هذه الأسماء الموضوعة..
موضع المصادر وما أشبهها من الأسماء
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
179 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق