فهذا في موضع: براءةً منه. ومعاذ الله كذلك لا يكون إلا مضافاً. وتقديره تقدير: عياذ الله، أي: عذت بالله عياذاً. فهذا موضع هذا. ومثل ذلك: حجرة،إنما معناه: حراماً. فهو في موضعه لو تكلمي به. فمن ذلك قول الله عز وجل: " حجراً محجوراً " أي: حراماً محرماً. وأما قولهم: مرحباً وأهلاً، فهو في موضع قولهم: رحبت بلادك رحبا، وأهلت أهلا، ومعناه: الدعاء. يقول: صادفت هذا. ولو قلت: حجرٌ، ومرحبٌ، لصلح، تريد: أمرك هذا. وأما سبحان وما كان مثله مما لا يكون إلا مضافاً، فلا يصلح فيه إلا النصب. وهذا البيت ينشد على وجهين: على الرفع والنصب وهو:
وبالسهب ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف: أهلٌ ومرحب
وقال الآخر:
إذا جئت بواباً له قال: مرحباً ... ألا مرحبٌ واديك غير مضيق
فأما قولهم: سلاماً، وسلامٌ يا فتى، فإن معناه: المبارأة والمتاركة. فمن قال: لا تكن من فلان إلا سلامٌ بسلام فمعناه: لا تكن إلا وأمرك وأمره المتاركة والمبارأة،وإنما رفعت؛ لأنك جعلته ابتداءً وخبراً في موضع خبر كان. ولو نصبته كان جيداً بالغاً. فمن ذلك قوله عز وجل: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " تأويله: المتاركة، أي: لا خير بيننا وبينكم ولا شر. ومن كلامهم: سبحان الله، وريحانه. فتأويل ريحان في هذا الموضع: الرزق. وتقديره في المصادر: تسبيحاً، واسترزاقاُ وتصديق هذا في قوله عز وجل: " والحب ذو العصف والريحان " . فأما قولهم: ويلٌ لزيد، وويحٌ لزيد، وتبٌ لزيد، وويسٌ له. فإن أضفت لم يكن إلا النصب فقلت: ويحه، وويله. فإنما ذلك لأن هذه مصادر. فإن أفردت فلم تضف، فأنت مخير بين النصب والرفع. تقول: ويلٌ لزيد، وويلاٌ لزيد فأما النصب فعلى الدعاء، وأما الرفع فعلى قولك: ثبت ويل له؛ لأنه شيءٌ مستقرٌ. فويلٌ مبتدأ، وله خبره. وهذا البيت ينشد على وجهين، وهو:
كسا اللؤم تيماً خضرةً في جلودها ... فويلٌ لتيمٍ من سرابيلها الخضر
فأما قوله عز وجل: " ويلٌ للمطففين " وقوله: " ويلٌ يومئذٍ للمكذبين " . فإنه لا يكون فيه إلا الرفع؛ إذ كان لا يقال: دعاءٌ عليهم، ولكنه إخبارٌ بأن هذا قد ثبت لهم. فإن أضفت فقلت: ويله، وويحه، لم يكن إلا نصباً؛ لأن وجه الرفع قد بطل بأنه لا خبر له، فكذا هذه التي في معنى المصادر. فإن كان مصدراً صحيحاً يجري على فعله فالوجه النصب. وذلك قولك: تباً لزيد، وجوعاً لزيد؛ لأن هذا من قولك: جاع يجوع، وتب يتب. وكذلك سقياً، ورعياً. والرفع يجوز على بعد؛ لأنك تبتدئ بنكرة، وتجعل ما بعدها خبرها. فأما سلامٌ عليك فاسم في معنى المصدر، ولو كان على سلم لكان تسليما. فإن كانت هذه المصادر معارف فالوجه الرفع، ومعناه كمعنى المنصوب، ولكن يختار الرفع؛ لأنه كالمعرفة، وحق المعرفة الابتداء. وذلك قولك: الحمد لله رب العالمين ولعنة الله على الظالمين. والنصب يجوز. وإنما تنظر في هذه المصادر إلى معانيها؛ فإن كان الموضع بعدها أمراً أو دعاءً لم يكن إلا نصباً. وإن كان لما قد استقر لم يكن إلا رفعاً وإن كان يقع لهما جميعاً كان النصب والرفع. فمما يدعى به أسماءٌ ليست من الفعل، ولكنها مفعولات. وذلك قولك: ترباً، وجندلا. إنما تريد: أطعمه الله، ولقاه الله، ونحو ذلك. فإن أخبرت أنه مما قد ثبت رفعت. قال الشاعر:
لقد ألب الواشون ألباً لبينهم ... فتربٌ لأفواه الوشاة وجندل
فأما قوله: أفةً وتفةً فإنما تقديره من المصادر: نتناً، ودفراً فإن أفردت أف بغير هاءٍ فهو مبني؛ لأنه في موضع المصدر وليس بمصدر، وإنما قوي حيث عطفت عليه؛ لأنك أجريته مجرى الأسماء المتمكنة في العطف. فإذا أفردته بني على الفتح والكسر والضم، وتنونه إن جعلته نكرة. وفي كتاب الله عز وجل: " فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما " . وقال: " أفٍّ لكم ولما تعبدون " كل هذا جائزٌ جيد. وهذه المبنيات إذا جعلت شيئاً منها نكرةً نونت، نحو: إيه يا فتى، وقال الغراب: غاقٍ غاقٍ يا فتى كذا تأويلها.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
182 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق