183 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 22 مارس 2021

183 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة




واعلم أن من المصادر التي لا أفعال لها تجري عليها وإنما يوضع موضع المصادر ما يكون مثنى لمبالغة. وذلك قولك: لبيك وسعديك، وحنانيك، إنما أراد حناناً بعد حنان، أي: كل ما كنت في رحمةٍ منك فلتكن موصولة بأخرى. وتأويل حنانيك: إنما هو رحمةٌ بعد رحمة. يقال: تحنن فلان على فلان: إذا رحمه. قال الشاعر:
تحنن علي هداك المليك ... فإن لكل مقامٍ مقالا
وقال الآخر:
أبا منذرٍ أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
فهذا مما يجوز إفراده، فإذا أفردت فأنت مخير: إن شئت نصبت بالفعل وإن شئت ابتدأت. فإذا ثنيت لم يكن إلا منصوباً؛ لأنه وضع موضع ما لا يتمكن؛ نحو: لبيك وسعديك. وقال الشاعر فيما أفرد فيه:
ويمنحها بنو شمجى بن جرمٍ ... معيزهم حنانك ذا الحنان
وقال الآخر، فرفع:
فقالت: حنانٌ ما أتى بك ههنا؟ ... أذو نسبٍ أم أنت بالحي عارف
والفصل بين الرفع والنصب أن الناصب دعا له. كأنه قال: رحمتك يا ذا الرحمة وقوله:
حنانٌ ما أتى بك هاهنا؟
إنما أراد: أمرنا حنانٌ؛ كقوله عز وجل: " مثل الجنة التي وعد المتقون " فالتقدير: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، ثم قال: فيها، وفيها. ومن قال: إنما معناه: صفة الجنة فقد أخطأ؛ لأن مثل لا يوضع في موضع صفة. إنما يقال: صفة زيد أنه ظريف، وأنه عاقل. ويقال: مثل زيد مثل فلان. وإنما المثل مأخوذ من المثال والحذو، والصفة تحلية ونعت. فأما تأويل قولهم: لبيك: فإنما يقال: ألب فلان على الأمر: إذا لزمه ودام عليه فمعناه: مداومةً على إجابتك، ومحافظةً على حقك. فإذا قال العبد لربه: لبيك فمعناه: ملازمةً لطاعتك، ومحافظةً على أمرك. وقولك: سعديك. إنما معناه من قولك: قد أسعد فلان فلاناً على أمره، وساعده عليه. فإذا قال: اللهم لبيك وسعديك، فإنما معناه: اللهم ملازمةً لأمرك، ومساعدةً لأوليائك، ومتابعةً على طاعتك. فلو كان الباب واسعاً لكان متصرفاً؛ لأنه بمنزلة الضرب من ضربت، ولكنهما مشتقان للمبالغة من الفعل كسبحان الله، ومعاذ الله؛ فلذلك ألزما طريقةً واحدة. فأما حنانٌ فمنفرد؛ لأنه من حننت، مثل قولك: ذهبت ذهاباً، ويتصرف في الكلام في غير الدعاء وحناناً من لدنا وتقول: تحنن علي. فهذا وجه ما جاء على فعله، وما لم يأت عليه فعل. فأما قولهم: شكرانك لا كفرانك، فهما مصدران لحقتهما الزيادة. وإنما التقدير: شكراً لا كفراً. ولكن وقعت الزيادة للمبالغة.
واعلم أن المصدر كسائر الأسماء إلا أنه اسم للفعل، فإذا نصبت فعلى إضمار الفعل. فمن المصادر ما يكثر استعماله، فيكون بدلاً من فعله ومنها ما لا يكون له حق الاسم. فأما ما كثر استعماله حتى صار بدلاً من الفعل فقولك: حمداً وشكراً، لا كفراً. وعجباً إنما أردت: أحمد الله حمداً. فلولا الاستعمال الذي أبان عن ضميرك لم يجز أن تضمر؛ لأنه موضع خبر، وإنما يحسن الإضمار ويطرد في موضع الأمر؛ لأن الأمر لا يكون إلا بفعل. نحو قولك: ضرباً زيدا. إنما أردت: اضرب ضربا. وكذلك ضرب زيد. نصبت الضرب باضرب، ثم أضفته إلى زيد لما حذفت التنوين؛ كما تقول: هذا ضارب زيد غدا. والأصل إثبات التنوين وحذفه استخافٌ لعلم المخاطب. ألا ترى أن الاسم المضاف إلى معرفة على نية التنوين لا يكون إلا نكرة؛ لأن التنوين في النية، نحو قوله عز وجل: " هذا عارضٌ ممطرنا " و " هدياً بالغ الكعبة " . هو وصف للنكرة، وتدخل عليه رب كما تدخل على النكرة. وقد مضى تفسير هذا في بابه. قال الشاعر:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحرمانا
يريد: غابطٍ لنا. ومن ذلك قوله عز وجل: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " وإنما التقدير - والله أعلم - : فضرباً الرقاب. فهذا يدل على ما بعده، وما يرد من جنسه ونظائره.
هذا باب
المصادر في الاستفهام على جهة التقدير
وعلى المسألة
وذلك قولك: أقياماً وقد قعد الناس. لم تقل هذا سائلاً، ولكن قلته موبخاً منكراً لما هو عليه، ولولا دلالة الحال على ذلك لم يجز الإضمار؛ لأن الفعل إنما يضمر إذا دل عليه دالٌّ؛ كما أن الاسم لا يضمر حتى يذكر، وإنما رأيته في حال قيام في وقت يجب فيه غيره، فقلت له منكراً. ومثله: أقعوداً وقد سار الناس، كما قال:
أطرباً وأنت قنسريٌّ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   مكتبة أهل الحق والإستقامة..موقع يهتم بنشر الكتب القيمة في مختلف الجوانب (فقه..عقيدة..تاريخ...الخ) عند المذهب الإباضية من نتاج فكري.

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *