195 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة - مكتبة أهل الحق والإستقامة

أحدث المشاركات

Post Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 22 مارس 2021

195 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة




اعلم أن الشيء لا يجوز أن يحمل على المعنى إلا بعد استغناء اللفظ، وذلك قولك: ما جاءني غير زيد وعمرٌو. حمل عمرو على الموضع؛ لأن معنى قوله: غير زيد إنما هو إلا زيدٌ، فحمل عمرو على هذا الموضع. وكذلك قوله: ما جاءني من أحدٍ عاقلٌ. رفعت العاقل، ولو خفضته كان أحسن. وإنما جاز الرفع؛ لأن المعنى: ما جاءني أحد. ومن ذلك قراءة بعض الناس: " زين لكثيرٍ من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " . لما قال: قتل أولادهم، تم الكلام، فقال: شركاؤهم على المعنى؛ لأنه علم أن لهذا التزيين مزيناً فالمعنى: زينه شركاؤهم. ومثل ذلك قول الشاعر:
ليبك يزيد ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ مما تطيح الطوائح
لما قال: ليبكي يزيد علم أن له باكيا. فكأنه قال: ليبكه ضارعٌ لخصومة. ومن هذا قولهم:
قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما
فنصب الأفعوان؛ لأنك تعلم أن القدم مسالمة؛ كما أنها مسالمة فكأنه قال: قد سالمت القدم الأفعوان والشجاع. ومن ذلك قول الله عز وجل: " انتهوا خيراً لكم " .
زعم الخليل أنه لما قال: انتهوا علم أنه يدفعهم عن أمر، ويغريهم بأمر يزجرهم عن خلافه، فكان التقدير: ائتوا خيراً لكم. وقد قال قوم: إنما هو على قوله: يكن خيراً لكم. وهذا خطأ في تقدير العربية؛ لأنه يضمر الجواب ولا دليل عليه، وإذا أضمر ايتوا فقد جعل انتهوا بدلاً منه، وكذلك انته يا فلان أمراً قاصداً. وقد مر من ذكر المضمرات ما يغني عن إعادته. ومن ذلك قول الشاعر:
وجدنا الصالحين لهم جزاءٌ ... وجناتٍ وعيناً سلسبيلا
فنصبهما؛ لأن الوجدان في المعنى واقعٌ عليهما. ومثل ذلك:
لن تراها وإن تأملت إلا ... ولها في مفارق الرأس طيبا
لأن الرؤية قد اشتملت على الطيب. وهذا البيت أبعد ما مر؛ لأنه ذكره من قبل استغناء. وإنما جاز نصبه على رأيت؛ لأن المعنى: لن تراها إلا وأنت ترى لها في مفارق الرأس طيبا. فهذا على الإضمار. فأما قوله:
تواهق رجلاها يديه ورأسه
فمن أنشده برفع اليدين فقد أخطأ؛ لأن الكلام لم يستغن، ولو جاز لجاز: ضارب عبد الله زيدٌ؛ لأن من كل واحد منهما ضرباً.
هذا باب
أم وأو
فأما أم فلا تكون إلا استفهاماً، وتقع من الاستفهام في موضعين: أحدهما أن تقع عديلةً على معنى أي. وذلك قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟ وكذلك: أأعطيت زيداً أم حرمته؟. فليس جواب هذا لا، ولا نعم؛ كما أنه إذا قال: أيهما لقيت؟ أو: أي الأمرين فعلت؟ لم يكن جواب هذا لا ولا نعم؛ لأن المتكلم مدعٍ أن أحد الأمرين قد وقع، ولا يدري أيهما. فالجواب أن تقول: زيدٌ أو عمرو. فإن كان الأمر على غير دعواه فالجواب أن تقول: لم ألق واحدا، أو كليهما. فمن ذلك قول الله عز وجل: " اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار " . وقوله: " أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها " ومثله: " أهم خيرٌ أم قوم تبعٍ " ، فخرج هذا مخرج التوقيف والتوبيخ، ومخرجه من الناس يكون استفهاماً، ويكون توبيخاً. فهذا أحد وجهيها.
ويدخل في باب التسوية مثل قولك: سواءٌ علي أذهبت أم جئت، وما أبالي أقبلت أم أدبرت، وليت شعري أزيدٌ في الدار أم عمرو؟. فقولك: سواءٌ علي تخبر أن الأمرين عندك واحد، فأدخلت حروف الاستفهام هاهنا لإيجابها التسوية. ألا ترى أنك إذا قلت: أزيدٌ في الدار أم عمرو، أنهما في علمك متساويان، فهذه مضارعة، ولهذا تقول: قد علمت أزيدٌ في الدار أم عمرو؛ لأنهما استويا عند السامع؛ كما استوى الأولان في علمك. وأي داخلة في كل موضع تدخل فيه أم مع الألف. تقول: قد علمت أيهما في الدار؟ تريد: إذا أم ذا. قال الله عز وجل: " فلينظر أيها أزكى طعاماً " . وعلى ذلك قول الشاعر:
سواءٌ عليه أي حينٍ أتيته ... أساعة نحسٍ جئته أم بأسعد
فقس أيًّا بالألف وأم؛ كما تقول: أي الرجلين أفضل أزيدٌ أم عمرو؟ وسنفرد باباً للمسائل بعد فراغنا من الأصول، فهذا أحد موضعيها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

تواصل معنا

أكثر من 600,000+ يتابعون موقعنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي إنظم إلينا الآن

عن الموقع

author مكتبة أهل الحق والإستقامة <<   مكتبة أهل الحق والإستقامة..موقع يهتم بنشر الكتب القيمة في مختلف الجوانب (فقه..عقيدة..تاريخ...الخ) عند المذهب الإباضية من نتاج فكري.

أعرف أكثر ←

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *