والموضع الثاني: أن تكون منقطعة مما قبلها، خبراً كان أو استفهاماً، وذلك قولك فيما كان خبراً: إن هذا لزيد أم عمرو يا فتى. وذلك أنك نظرت إلى شخص، فتوهمته زيدا، فقلت على ما سبق إليك، ثم ادركك الظن أنه عمرو، فانصرفت عن الأول، فقلت: أم عمرو مستفهماً. فإنما هو إضراب عن الأول على معنى بل، إلا أن ما يقع بعد بل يقين، وما يقع بعد أم مظنون مشكوك فيه، وذلك أنك تقول: ضربت زيدا ناسياً أو غالطاً، ثم تذكر أو تنبه، فتقول: بل عمرا مستدركاً مثبتاً للثاني، تاركاً الأول. ف بل تخرج من غلط إلى استثبات، ومن نسيان إلى ذكرٍ. وأم معها ظن أو استفهام، وإضراب عما كان قبله. ومن ذلك: هل زيدٌ منطلق أم عمرو يا فتى قائما. أضرب عن سؤاله عن انطلاق زيد، وجعل السؤال عن عمرو. فهذا مجرى هذا، وليس على منهاج قولك: أزيدٌ في الدار أم عمرو. وأنت تريد: أيهما في الدار؟ لأن أم عديلة الألف، وهل إنما تقع مستأنفة. ألا ترى أنك تقول: أما زيد في الدار على التقرير، وتقول: يا زيد، أسكوتاً والناس يتكلمون. توبخه بذلك وقد وقع منه السكوت، ولا تقع هل في هذا الموضع. ألا ترى إلى قوله:
أطرباً وأنت قنسري
وإنما هو: أتطرب وهو في حال طرب؟. وذلك لأن الألف و أم حرفا الاستفهام اللذان يستفهم بهما عن جميعه، ولا يخرجان منه، وليس كذا كسائر حروف الاستفهام؛ لأن كل حرفٍ منها لضربٍ لا يتعدى ذلك إلى غيره، ألا ترى أن أين إنما هي سؤال عن المكان لا يقع إلا عليه. ومتى سؤال عن زمان، وكيف سؤال عن حال، وكم سؤال عن عدد. وهل تخرج من حد المسألة فتصير بمنزلة قد نحو: قوله عز وجل: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً " . فالألف وأم لا ينقلان عن الاستفهام كما تنقل هذه الحروف. فتكون جزاءً، ويكون ما كان منها يقع للناس وغيرهم، نحو: من، وما، وأي كذلك، ويكون في معنى الذي. وحرفا الاستفهام اللذان لا يفارقانه: الألف وأم، وهما يدخلان على هذه الحروف كلها. ألا ترى أن القائل يقول: هل زيد بالدار أم هل عمرٌو هناك؟ وتقول: كيف صنعت أم كيف صنع أخوك؟. فدخل هذان الحرفان على حروف الاستفهام لتمكنهما وانتقالهما. فمن ذلك قوله:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبيرٌ بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
فأدخل أم على هل، وقال:
سائل فوارس يربوعٍ بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم
وقال:
كيف القرار ببطن مكة بعدما ... هم الذين تحب بالإنجاد
أم كيف صبرك إذ ثويت معالجا ... سقماً خلافهم وسقمك بادي
وتدخل حروف الاستفهام على من، وما، وأي إذا صرن في معنى الذي بصلاتهن. وكذلك أم، كقول الله عز وجل: " أم من يجيب المضطر إذا دعاه " ، وكقوله: " أفمن يلقى في النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يوم القيامة " ، فقد أوضحت لك حالهما. فأما قول الله عز وجل: " آلم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه " وقوله: " أم تسألهم أجراً " ، وما كان مثله، نحو قوله عز وجل: " أم اتخذ مما يخلق بنات " فإن ذلك ليس على جهة الاستفهام؛ لأن المستخبر غير عالم، إنما يتوقع الجواب فيعلم به. والله - عز وجل - منفيٌّ عنه ذلك. وإنما تخرج هذه الحروف في القرآن مخرج التوبيخ والتقرير، ولكنها لتكرير توبيخ بعد توبيخ عليهم. ألا تراه يقول عز وجل: " أفمن يلقى في النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يوم القيامة " - وقد علم المستمعون كيف ذلك - ليزجرهم عن ركوب ما يؤدي إلى النار، كقولك للرجل: السعادة أحب إليك أم الشقاء؛ لتوقفه أنه على خطأ وعلى ما يصيره إلى الشقاء؛ ومن ذلك قوله: " أليس في جهنم مثوًى للمتكبرين " . كما قال:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وأنت تعلم أنه لم يستفهم، ولكن قررهم بأنهم كذلك وأنه قد ثبت لهم، فمجاز هذه الآيات - والله أعلم - : أيقولون افتراه؟ على التوبيخ لهم، وأنهم قالوا، فنبه الرسول والمسلمين على إفكهم، وترك خبراً إلى خبر لا على جهة الإضراب، ولكن على جهة تكرير خبرٍ بعد خبرٍ: كما يقع أمر بعد زجر، وأمر بعد أمر الترغيب، والترهيب. والله أعلم.
هذا باب
من مسائل أم
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
196 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق