في البابين المتقدمين لنوضح كل باب على حياله، ونبينه من صاحبه إن شاء الله
تقول: أعندك زيدٌ أم عمرو، فإذا أردت: أيهما عندك فهذا عربيٌّ حسن، والأجود: أزيدٌ عندك أم عمرو؛ لأنك عدلت زيدا بعمرو، فأوقعت كل واحد منهما إلى جانب حرف الاستفهام، وجعلت الذي لا تسأل عنه بينهما، وهو قولك: عندك. وكذلك: أزيدا ضربت أم عمرا، أزيدٌ قام أم عمرو. ولو قلت: أقام زيدٌ أم عمرو؟ وأزيدٌ أم عمرو قام؟ وأزيدٌ أم عمرو عندك؟ وأزيدا أم عمرو ضربت؟ كان ذلك جائزاً حسناً، والوجه ما وصفت لك، وكل هذا غير بعيد. فإن أردت أن تجريه على استفهامين قلت: أزيدٌ عندك، أم عندك عمرو يا فتى. استفهم أولاً عن زيد، ثم أدركه الشك في عمرو، فأضرب عن زيد، ورجع إلى عمرو، فكأنه قال: أزيدٌ عندك بل أعندك عمرو؟ فهذا تمثيل ذلك، ومثله قول كثير:
أليس أبي بالنضر أم ليس والدي ... لكل نجيبٍ من خزاعة أزهرا
ترك استفهام الأول، ومال إلى الثاني، وإنما أخرجه مخرج التقرير في اللفظ، كالإستخبار.
وأم المنقطعة تقع بعد الاستفهام كموقعها بعد الخبر، ومن ذلك قولك: أزيد في الدار أم لا؟ ليس معنى هذا: معنى أيهما، ولكنك استفهمت على أنك ظننت أنه في الدار، ثم أدركك الشك في أنه ليس فيها، فأضربت عن السؤال عن كونه فيها، وسألت عن إصغارها منه. فأما قول ابن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً بسبعٍ رمين الجمر أم بثمان
فليس على الإضراب، ولكنه أراد: أبسبعٍ؟ فاضطر، فحذف الألف، وجعل أم دليلاً على إرادته إياه؛ إذ كان المعنى على ذلك، كما قال الشاعر:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً شعيث ابن سهمٍ أم شعيث ابن منقر
يريد: أشعيث؟. فأما قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلام من الرباب خيالا
فيكون على ضربين: يجوز أن يكون: أكذبتك عينك، فحذف الألف. ويجوز أن يكون ابتدأ كذبتك عينك مخبراً، ثم أدركه الشك في أنه قد رأى، فاستفهم مستثبتاً. وأما ما حكى الله عن فرعون من قوله: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهينٌ " - فإنما تأويله - والله أعلم - : أنه قال: أفلا تبصرون. أم أنا خير؟ على أنهم ما قالوا له: أنت خير لكانوا عنده بصراء، فكأنه قال - والله أعلم - : أفلا تبصرون. وهذه أم المنقطعة؛ لأنه أدركه الشك في بصرهم، كالمسألة في قولك: أزيدٌ في الدار أم لا، وقد مضى تفسير هذا. فهذا في قول جميع النحويين لا نعلم بينهم اختلافاً فيه. فأما أبو زيد وحده فكان يذهب إلى خلاف مذاهبهم، فيقول: أم زائدة، ومعناه: أفلا تبصرون أنا خير، وكان يفسر لهذا البيت:
يا دهر أم كان مشيي رقصاً ... بل قد تكون مشيتي توقصا
يريد: يا دهر، ما كان مشى رقصاً. وهذا لا يعرفه المفسرون، ولا النحويون، لا يعرفون أم زائدةً ولكن إذا عرض الشيء في الباب ذكرناه، وبينا عليه.
وتقول: ليت شعري أزيد في الدار أم عمرو؟ وما بالي: أقمت أم قعدت، وسواءٌ علي: أذهبت أم جئت، وقد ذكرنا هذا قبل، ولكن رددناه لاستقصاء تفسيره؛ لأن هذا ليس باستفهام، ولا قولك: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو. إنما هو أنك قد علمت أن أحدهما في الدار. لا تدري أيهما هو؟ فقد استويا عندك، فهذه الأشياء التي وصفنا مستويةٌ، وإن لم تكن استفهاماً. فالتسوية أجرت عليه هذه الحروف؛ إذ كانت لا تكون إلا التسوية. والدليل على ذلك أن أياً لا تكون إلا لهذا المعنى داخلةً على جميعها. ألا ترى أنك إذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو فمعناه: أيهما في الدار، وإذا قلت: سواءٌ علي أذهبت أم جئت. فمعناه: سواءٌ علي أي ذلك كان، كما تقول: ما أبالي: أقمت أم قعدت، أي ما أبالي أي ذلك كان، وليت شعري! أي ذلك كان. ألا ترى أنه لا يدخل على الاستفهام من الأفعال إلا ما يجوز أن يلغى؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وهذه الأفعال هي التي يجوز ألا تعمل خاصةً، وهي ما كان من العلم والشك فعلى هذا: " لنعلم أي الحزبين " ، " ولقد علموا لمن اشتراه " ؛ لأن هذه اللام تفصل ما بعدها مما قبلها. فتقول: علمت لزيدٌ خير منك. وعلى ذلك قوله:
لا أبالي أنب بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
وقول الشاعر:
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
197 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق