ألا ترى أنك لو سميته قام زيد قلت: هذا قام زيد لا غير. وإن سميته ضرباً والألف ضمير الفاعلين، أو ضربوا على هذا الشرط حكيته. وإن سميته ضرباً، أو ضربوا من قولك: ضربوا إخوتك زيداً، أوضربا أخواك زيداً، فكانت الألف والواو علامةً لا ضميراً قلت: هذا ضربان قد جاء، وهذا ضربون قد جاء، لأن النون في الاثنين والجمع من الأفعال كالضمة في الواحد.
ألا ترى أنك تقول: هذا يضرب يا فتى، وهما يضربان، وهم يضربون. فالنون في مكان الضمة من يضرب.
فإذا قلت: لن تضرب يا فتى قلت: لن تضربا، ولن تضربوا فعلى هذا قلت: ضربا، وضربوا؛ كما قلت في الواحد: ضرب يا فتى.
فلما أدخلت في الواحد الإعراب فقلت: هذا ضرب يا فتى أدخلت في التثنية والجمع النون، إلا أنك تصرفه تصريف رجل سميته رجلين، فيكون نصبه وخفضه بالياء، ورفعه بالألف في التثنية، وبالواو في الجمع، ونفسر هذا في الباب الذي يليه إن شاء الله.
ولو سميته أولو من قوله عز وجل: أولو قوة، أو ذوو من قولك: هؤلاء ذوو مال لقلت: جاءني ألون، وذوون؛ لأن النون نون الجمع، وإنما ذهبت للإضافة.
هذا باب
تسمية الرجال بالتثنية والجمع من الأسماء
إذا سميت رجلاً رجلين فإن أحسن ذلك أن تحكى حاله التي كانت في التثنية فتقول: هذا رجلان قد جاء، ورأيت رجلين. وتقول في هذا البلد: هذا البحران يا فتى، وأتيت البحرين؛ وإنما اخترت ذلك لأن القصد إنما كان في التثنية.
وكذلك إن سميته بقولك مسلمون قلت: هذا مسلمون قد جاء، ومررت بمسلمين. والقول في هذا القول في التثنية.
وكذلك كل ما كان جمعاً بالألف والتاء. تقول: هذا مسلمات، ومررت بمسلمات؛ لأن الألف والتاء في المؤنث، بمنزلة الواو والنون في المذكر.
وإن شئت قلت في التثنية هذا مسلمان قد جاء، فنجعله بمنزلة زعفران. وإنما جاز ذلك؛ لأن التثنية قد زالت عنه، والألف والنون فيه زائدتان، فصار بمنزلة قولك: غضبان، وعطشان، وعريان، وكأن الأول أقيس؛ لأن هذا بني في الأصل على فعلان، وفعلان ونحو ذلك، وهذا نقل عن التثنية.
ومن قال: هذا رجلان فاعلم قال في رجل يسمى بقولك مسلمون: هذا مسلمين فاعلم، فجعل الإعراب في النون؛ كما فعل هناك، ولم يجز أن تقول: هذا رجلين قد جاء، لأن هذا مثال لا تكون الأسماء عليه.
ومثل قولك مسلمين فاعلم غسلين فاعلم، ويبرين، وقنسرين، ونحو ذلك، والأجود ما ذكرت لك. والوجه الآخر يجوز.
ألا ترى أنه يجوز فيه وهو جمع أن تجريه مجرى الواحد، فيصير إعرابه في آخره، فتقول: هذه عشرين فاعلم، وليس بالوجه.
على هذا قال:
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
وجاز ذلك لاختلاف الجمع وأن إعرابه كإعراب الواحد إلا ما كان على حد التثنية. وهو هذا الذي ذكرنا. ولم يجز أن يكون إعراب المثنى كإعراب الواحد؛ لأن التثنية لا تأتي مختلفة، وقد دللنا على هذا في أول الكتاب.
ومن قال: هذا مسلمين كما ترى قال في مسلمات إذا سمي به رجلاً : هذا مسلمات فاعلم، أجراها مجرى الواحد، فلم يصرف، لأن فيها علامة التأنيث، وتقول: مررت بمسلمات يا فتى فلا تنون لأنها لا تصرف، ولا يجوز فتحها؛ لأن الكسرة ها هنا كالياء في مسلمين. وعلى هذا ينشدون بيت امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالى
لأن أذرعات اسم موضع بعينه، والأجود ما بدأنا به من إثبات التنوين في أذرعات ونحوها؛ لأنها بمنزلة النون في مسلمين إذا قلت: هؤلاء مسلمون، ومررت بمسلمين. ومن ذلك قول الله عز وجل " فإذا أفضتم من عرفات " بالتنوين. ونظير هذا قولهم: هذه قنسرون، ويبرون.
فمن ذهب إلى أنها جمع في الأصل، أو شبهها به، فيصيرها جمعاً. وقد تقدم باب الحكاية، والتسمية بالجمع يعتدل فيه الأمران. قد جاء القرآن بهما جميعاً. قال الله عز وجل: " ولا طعام إلا من غسلين " وقال: " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ما عليون " .
فالقياس في جميع هذا ما ذكرت لك.
ومن قال: هذه قنسرون، وهذا مسلمون، فنسب إلى واحد منهما رجلاً أو غيره، قال: مسلمي، وقنسري بحذف الواو، والنون لأنهما زائدتان لمجئ ياء النسب.
ومن قال: قنسرين، ومسلمين فاعلم، وجعل الإعراب في النون قال: قنسريني، ومسلميني فاعلم.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
221 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق