تقول: إن وليت أشياء معروفة. قد عرفت مواضعها، وأثبتت حقائقها، ولهذا امتنعت من دخول حروف التعريف عليها. وذلك أنك إذا رأيت شيئاً منها مكتوباً لم تعبر عنه بالألف واللام وإن كانت أسماء.
وأما حروف المعجم فإنها عبارات تكون نكرة بغير ألف ولام ومعرفة بهما. كقولك: الألف والباء والتاء. وأما في التهجي فقولك: با وتا وقف لا يدخله إعراب؛ لأن التهجي على الوقف. فإن جعلتها أسماء عطفت بعضها على بعض وقلت: ألف، وباء، وتاء تعرب وتمد؛ لأنه لا يكون اسم على حرفين أحدهما حرف لين.
فإن كان شيء من هذا قبل التسمية زدت على الواو واواً وعلى الياء ياءً، وزدت إلى الألف ألفاً، فتحركها، فتصير همزة. تقول إذا سميت رجلاً في: هذا في، ولو: هذا لو فاعلم كما قال:
إن لواً وإن ليتاً عناء
وإن سميته لا قلت: هذا لاء فاعلم، وكذلك باء، وتاء كما قال:
إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم جدال
وكما قال:
رق تبين فيه اللام والألف
هذا باب
ما كان معرفةً بجنسه
لا بواحده ولم جاز أن يكون كذلك
وذلك قولك للأسد: أبو الحارث، وأسامة يا فتى، وللدويبة: أم حبين. وكذلك للثعلب: أبو الحصين. وللذئب: أبو جعدة يا فتى غير مصروف؛ لأنه معرفة.
ومن ذلك قولهم لضرب من الكمأة: بنات أوبر يا فتى. ولضرب من الحيات: ابن قترة ومن هذا قولهم: حمار قبان، وابن عرس وسام أبرص، وابن آوى.
فهذه كلها معارف. فأما ما كان منها مضافاً فقد تبين لك أنه معرفة بترك صرف ما أضيف إليه مما لا ينصرف في المعرفة.
فأما غير ذلك فيبين لك أنها معارف امتناعها من الألف واللام التي للتعريف. فإن قال قائل: كيف صارت معارف واسم الواحد منها يلحق كل من كان مثله؟ فالجواب فيه: أن هذه أشياء ليست مقيمة مع الناس، ولا مما يتخذون ويقتنون، كالخيل والشاء، ونحو ذلك، فيحتاجوا إلى الفصل بين بعضها وبعض، وإنما يريدون أن يفصلوا بين جنس وجنس. ولو كانت مما يقيم معهم لفصلوا بين بعضها وبعض، وكان مجراها كمجرى الناس.
ألا ترى أن ابن مخاض، وابن لبون، وابن ماء نكرات، وأنك إذا أردت أن تعرف شيئاً منها أدخلت فيما أضفت إليه ألفاً ولاماً، فقلت: هذا ابن اللبون، ونحو ذلك، لتعرف شيئاً من شيء؛ كما تفعل في الخيل، والكلاب، ونحوها.
قال جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وقال أيضاً:
وجدنا نهشلاً فضلت فقيماً ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
وقال:
مفدمةً قزاً كأن رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرعد
وقال:
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق
فجعل محلق نعتاً له لأنه نكرة.
وهذا يفتح لك ما يرد عليك من هذا الباب، فتقدير قولك للأسد: هذا أسامة يا فتى، أي: هذا الضرب الذي سمعت به أو رأيته من السباع. وكذلك قولك للضبع: أم عامر يا فتى، وهذه حضاجر، وهذه قثام يا فتى، وهذه جعار، وهذه جيأل.
وللذكر: هذا قثم؛ كما تقول: يا فسق، ويا فساق.
واعلم أنك إذا قلت جاءني عثمان، وعثمان آخر، فجعلته نكرة قلت في هذا أجمع مثل ذلك. قلت: هذا قثم، وقثم آخر؛ كما تقول: هذه جيأل، وجيأل أخرى. فأما قوله:
ولقد جنيتك أكمؤا، وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فإن دخول الألف واللام على وجهين: أحدهما: أن يكون دخولهما كدخولهما في الفضل والعباس على ما وصفت لك؛ لأن أوبر نعت نكرة في الأصل.
والآخر: على قولك: هذا ابن عرس آخر تجعله نكرة؛ كما تقول: هذا زيد من الزيدين، أي: هذا واحد ممن له هذا الاسم. فأنت وإن كنت لم تذكر قبله شيئاً تقول بعده آخر فإنما أردت ضرباً مما يقع له هذا الاسم، كما قال:
باعد أم العمر من أسيرها
هذا باب
المفعول الذي لا يذكر فاعله
وهو رفع، نحو قولك: ضرب زيد، وظلم عبد الله. وإنما كان رفعا، وحد المفعول أن يكون نصباً؛ لأنك حذفت الفاعل. ولا بد لكل فعل من فاعل؛ لأنه لا يكون فعل ولا فاعل، فقد صار الفعل والفاعل بمنزلة شيء واحد؛ إذ كان لا يستغني كل واحد منهما عن صاحبه؛ كالابتداء والخبر.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
223 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق