والفعل قد يقع مستغنياً عن المفعول البتة حتى لا يكون فيه مضمراً، ولا مظهراً. وذلك نحو قولك: تكلم زيد، وقعد عمرو، وجلس خالد، وما أشبهه من الأفعال غير المتعدية، ولا يكون مثل هذا في الفاعل. فلما لم يكن للفعل من الفاعل بد، وكنت هاهنا قد حذفته أقمت المفعول مقامه، ليصبح الفعل بما قام مقام فاعله.
فإن جئت بمفعول آخر بعد هذا المفعول الذي قام مقام الفاعل فهو منصوب؛ كما يجب في المفعول. وذلك قولك: أعطي زيد درهماً، وكسي أخوك ثوباً، وظن عبد الله أخاك.
وتقول: ظننت زيداً، فالتاء هاهنا في موضعها إذا كانت فاعلة؛ نحو: ضربت زيداً، وكذلك ظنني زيد. إذا كان ضميرك مفعولاً؛ كقولك: ضربني زيد.
وتقول: زيد ظن منطلقاً، فضمير زيد فاعل في ظن؛ كما تقول: زيد ضرب عمراً، فتضمر زيداً في ضرب.
وتقول: رفع إلى زيد درهم، فيرفع درهم، لأنك جررت زيداً، فقام الدرهم مقام الفاعل. فإن أظهرت زيداً غير مجرور قلت: أعطي زيد درهماً، وكسي زيد ثوباً. فهذا الكلام الجيد.
وقد يجوز أن تقول: أعطي زيداً درهم، وكسي زيداً ثوب. لما كان الدرهم والثوب مفعولين كزيد جاز أن تقيمهما مقام الفاعل، وتنصب زيداً؛ لأنه مفعول. فهذا مجاز والأول الوجه. ومن قال هذا قال: أدخل القبر زيداً، وألبست الجبة أخاك.
فإن قال قائل: هل يجوز على هذا ضرب زيداً سوط؟ قيل له: لا يجوز ذلك؛ وذلك أن السوط إذا قلت: ضربت زيداً سوطاً مصدر، ومعناه ضربت زيداً ضربةً بالسوط.
ويدلك على ذلك قولك: ضربت زيداً مائة سوط. لست تعني أنك ضربته بمائة سوط، ولكنك تعني أنك ضربته مائة ضربة بسوط، أو بأكثر من ذلك من هذا الجنس.
وأنت إذا قلت: أعطيت زيداً مائة درهم، أو كسوته ثوبين فإنما أوصلت إليه هذا القدر بعينه من الدراهم، والثياب؛ فلذلك لم يجز أن تقيم المصدر مقام الفاعل إذا كان معه مفعول على الحقيقة، ولكنه قد يجوز أن تقيم المصادر، والظروف من الأمكنة والأزمنة مقام الفاعل إذا دخل المفعول من حروف الجر ما يمنعه أن يقوم مقام الفاعل، وذلك نحو قولك: سير بزيد سير شديد، وضرب بزيد عشرون سوطاً. المعنى: بسبب زيد، ومن أجله، وسير بزيد يوم الجمعة، واختلف به شهران، ومضى به فرسخان، ومشي به ميلان. أقمت هذه الأشياء مقام الفاعل، وقد يجوز نصبها في هذا الموضع وإن كان المفعول مجروراً على ما أصف لك.
فمن ذلك أنك إذا قلت: سير بزبد فرسخاً أضمرت السير؛ لأن سير يدل على السير، فلم تحتج إلى ذكره معه؛ كما تقول: من كذب كان شراً له، تريد: كان الكذب شراً له، فلم تذكر الكذب؛ لأن كذب قد دل عليه.
ونظيره قول الله عز وجل: " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً " فلم يذكر البخل لذكره يبخلون.
وجاز أن يكون المضمر الطريق. فكأنه قال: سير عليه الطريق فرسخاً، فحذف لعلم المخاطب بما يعنى.
وجائز أن تقيم المجرور مع المصدر والظروف مقام الفاعل، فتقول: سير يزيد فرسخاً، فلا يمنعه حرف الجر من أن يكون فاعلاً؛ كما قال: ما من أحد، ف أحد فاعل وإن كان مجروراً بمن. وكذلك قوله: " أن ينزل عليكم من خير من ربكم " إنما هو خير من ربكم. ف من لم تغير المعنى وإن غيرت اللفظ. فهذا الذي ذكرته مشبه بذلك في هذا الموضع إذا نصبت المصادر والظروف على مواضعها، فلم تجعلها مفعولات على السعة. فإن جعلتها مفعولات على السعة فالوجه فيها الرفع، لشغلك الأسماء بحروف الجر.
واعلم أنك إذا قلت: سير يزيد سيراً فالوجه النصب؛ لأنك لم تفد بقولك: سيراً شيئاً لم يكن في سير أكثر من التوكيد.
فإن وصفته فقلت: سيراً شديداً، أو هيناً فالوجه الرفع؛ لأنك لما نعته قربته من الأسماء، وحدثت به فائدة لم تكن في سير.
والظروف بهذه المنزلة. لو قلت: سير يزيد مكاناً أو يوماً لكان الوجه النصب.
فإن قلت: يوم كذا، أو يوماً طيباً، أو مكاناً بعيداً اختير الرفع لما ذكرت لك.
واعلم أن التقديم والتأخير، والإظهار والإضمار في هذا الباب، مثله في الفاعل. يجوز فيه ما جاز في ذلك.
تقول: أعطي زيد درهماً، وأعطي درهماً زيد، ودرهماً أعطي زيد، وزيد أعطي درهماً. تجريه مجرى ذلك الباب.
وتقول: سير بالمعطي درهمين فرسخان. أقمت الضمير الذي في المعطى مقام الفاعل، ونصبت الدرهمين، وجررت المعطى بالباء فارتفع الفرسخان.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
224 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق