وتقول: جعل الشارب الشاربه ماءك لبنك شرابك؛ لأن المعنى: جعل الشراب الذي شرب الرجل الذي شرب ماءك لبنك؛ أي: جعل هذا الشيء الذي شرب ماءك الشارب لبنك، و شرابك بدل من قولك لبنك؛ لأن اللبن هو المفعول الثاني في جعل.
هذا باب
من إعمال الأول والثاني
وهما الفعلان اللذان يعطف أحدهما على الآخر وذلك قولك: ضربت وضربني زيد، ومررت ومر بي عبد الله، وجلست وجلس إلي أخواك، وقمت وقام إلي قومك.
فهذا اللفظ. هو الذي يختاره البصريون، وهو إعمال الفعل الآخر في اللفظ.
وأما في المعنى فقد يعلم السامع أن الأول قد عمل؛ كما عمل الثاني، فحذف لعلم المخاطب، ونظير ذلك في الحذف قول الله عز وجل: " والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات " ، فقد يعلم المخاطبون أن الذاكرات متعديات في المعنى، وكذلك الحافظات؛ لأن المعنى: والحافظاتها، والذاكراته.
وقال الشاعر: فحذف أكثر من هذا:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، فاجتزأ بخبر الواحد عن الجميع. وإنما اختاروا إعمال الآخر؛ لأنه أقرب من الأول. ألا ترى أن الوجه أن تقول: خشنت بصدرك، وصدر زيد، فتعمل الباء؛ لأنها أقرب.
وقد حملهم قرب العامل على أن قال بعضهم: هذا جحر ضب خرب، وإنما الصفة للجحر. فكيف بما يصح معناه؟ ولو أعملت الأول كان جائزاً حسناً.
فمما جاء من إعمال الآخر في الشعر قول الفرزدق:
وإن حراماً أن أسب مقاعساً ... بآبائي الشم الكرام الخضارم
ولك نصفاًً لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
وقال الآخر:
ولقد نرى تغنى به سيفانة ... تصبي الحليم ومثلها أصباه
وقال:
وكمتاً مدماةً كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
ومن أعمل الأول قال: ضربت وضربني زيداً، وضربت، وضرباني أخويك، لأنه أراد ضربت زيداً وضربني، وضربت أخويك وضرباني.
وعلى هذا تقول: مررت، ومر بي بزيد، وقصدت. وقصد إلي إلى زيد تريد: قصدت إلى زيد، وقصد إلى، ومررت بزيد، ومر بي.
ومن ذلك قول الشاعر:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
فجعل القليل كافياً لو طلبه أو سعى له، وإنما المطلوب في الحقيقة الملك، وعليه معنى الشعر.
وقال آخر:
فرد على الفؤاد هوىً عميداً ... وسوئل لو يبين لنا السؤالا
وقد نغنى بها ونرى عصوراً ... بها يقتدينا الخرد الخدالا
معناه: ونرى الخرد الخدال يقتدننا. ولو أراد إعمال الآخر لقال: بها يقتادنا الخرد الخدال.
فقد بينت لك أصل هذا الباب، وسنزيد من المسائل ما يزداد به وضوحاً إن شاء الله.
تقول إذا سئلت كيف تقول: قام وقعد أخواك على إعمال الأول؟ فإن الجواب: قام وقعدا أخواك. أردت قام أخواك وقعدا.
فإن أعملت الثاني قلت: قاما، وقعد أخواك.
فإن قيل لك: ما بالك أضمرت في قاما الأخوين من قبل أن تذكرهما، والإضمار لا يكون قبل المذكور؟ فإنما جاز الإضمار هاهنا من قبل أن الأخوين ارتفعا بقعد، فخلا قام من الفاعل، ومحال أن يخلو فعل من فاعل، فأضمرت فيه ليصح الفعل على ما ذكرت لك من اتصال الفعل بالفاعل، وأضمر على شريطة التفسير، وتفسير المضمر أخواك، وما يضمر على شريطة التفسير أكثر من ذلك، وسنذكره في أبوابه إن شاء الله.
إن كان المبدوء به مفعولاً لم تضمره، لأن المفعول يستغني الفعل عنه كما ذكرت لك.
فمن ذلك ضربت فأوجعته زيداً. إذا أعملت الأول، لأنك أردت: ضربت زيداً فأوجعته.
فإن أعملت الثاني قلت: ضربت فأوجعت زيداً؛ لأنك أردت ضربت زيداً، فأوجعت زيداً، فلم تضمر الهاء في ضربت؛ ولولا أن الفعل لا بد له من الفاعل ما أضمرت في المسألة الأولى.
وتقول: ضرباني وضربت أخويك، إذا عملت الآخر على ما شرحت لك، وضربوني وضربت قومك.
فإن أعملت الأول قلت: ضربني، وضربتهما أخواك، وضربني وضربتهم قومك.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
226 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق