وكان بهذه المنزلة، إنما أدخلت على قولك: زيد منطلق؛ لتوجب أن هذا فيما مضى. والأصل الابتداء والخبر، ثم تلحقها معان بهذه الحروف.
وكان فعل منصرف يتقدم مفعوله ويتأخر، ويكون معرفةً ونكرة. أي ذلك فعلت صلح. وذلك قولك: كان زيد أخاك، وكان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، وكذلك جميع بابها في المعرفة والنكرة.
وتقول: كان القائم في الدار عبد الله، وكان الذي ضرب أخاه أخاك، وكذلك: ليس منطلقاً زيد.
فإن قال قائل: أما كان فقد علم أنها فعل بقولك: كان، ويكون وهو كائن، وكذلك أصبح، وأمسى، وليس لا يوجد فيها هذا التصرف، فمن أين قلتم إنها فعل؟ قيل له: ليس كل فعل متصرفاً. وإنما علينا أن نوجدك أنها فعل بالدليل الذي لا يوجد مثله إلا في الأفعال، ثم نوجدك العلة التي منعتها من التصرف.
أما الدليل على أنها فعل فوقوع الضمير الذي لا يكون إلا في الأفعال فيها، نحو: لست منطلقاً، ولست، ولستما، ولستم، ولستن، وليست أمة الله ذاهبة كقولك: ضربوا، وضربا، وضربت. فهذا وجه تصرفها.
وأما امتناعها من التصرف فإنك إذا قلت: ضرب، وكان دللت على ما مضى، فإذا قلت: يضرب ويكون دللت على ما هو فيه، وما لم يقع.
وأنت إذا قلت: ليس زيد قائماً غدا، أو الآن أردت ذلك المعنى الذي في يكون فلما كانت تدل على ما يدل عليه المضارع استغنى عن المضارع فيها، ولذلك لم يبن بناء الأفعال من بنات الياء مثل باع وسنذكر علتها مع أخواتها في الفعل الذي لا يتصرف نحو نعم، وبئس في باب التصريف. وإنما هذا موضع جمل، ثم نذكر بعده المسائل.
اعلم أنه إذا اجتمع في هذا الباب معرفة ونكرة فالذي يجعل اسم كان المعرفة؛ لأن المعنى على ذلك؛ لأنه بمنزلة الابتداء والخبر كما وصفت لك.
ألا ترى أنك لو قلت: كان رجل قائماً، وكان إنسان ظريفاً لم تفد بهذا معنىً، لأن هذا مما يعلم الناس أنه قد كان، وأنه مما يكون، وإنما وضع الخبر للفائدة.
فإذا قلت: كان عبد الله، فقد ألقيت إلى السامع اسماً يعرفه، فهو يتوقع ما تخبره عنه. وكذلك لو قربت النكرة من المعرفة بما تحملها من الأوصاف لجاز أن تخبر عنها، وكان فيها حينئذ فائدة؛ نحو قولك: كان رجل من بني فلان فارساً، وكان رجل من أهل البصرة شجاعاً. وذلك لأن هذا يجوز ألا يكون، أو يكون فلا يعلم. فلذلك ذكرنا أن الاسم المعروف هو الذي له هذا الموضع.
تقول: كان منطلقاً عبد الله، وكان منطلقاً اليوم عبد الله وكان أخاك صاحبنا، وزيد كان قائماً غلامه.
وكذلك أخوات كان فمن ذلك قول الله عز وجل: " وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " وقال: " أكان للناس عجباً أن أوحينا " ؛ لأن قوله: " أن أوحينا " إنما هو وحينا.
فإن كان الاسم والخبر معرفتين فأنت فيها بالخيار، تقول: كان أخوك المنطلق، وكان أخاك المنطلق.
وتقول: من كان أخاك؟ إذا كانت من مرفوعة، ومن كان أخوك؟ إذا كانت من منصوبة. وكذلك من ضرب أخاك، ومن ضرب أخوك؟ والآيات كلها تقرأ على هذا " فما كان جواب قومه إلا أن قالوا " و " ما كان حجتهم إلا أن قالوا " كأنه قولهم. وإن شئت رفعت الأول.
وهذا البيت ينشد على وجهين:
فقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم
فإن قلت: فقد تقول في النفي: ما كان أحد مثلك، وما كان أحد مجترئاً عليك، فقد خبرت عن النكرة.
فإنما جاز ذلك لأن أحداً في موضع الناس، فإنما أردت أن تعلمه أنه ليس في الناس واحد فما فوقه يجترئ عليه، فقد صار فيه معنىً بما دخله من هذا العموم.
ومن ذلك قول الله عز وجل: " ولم يكن له كفواً أحد " فلم يكن الخبر إلا نكرة كما وصفت لك.
وقال الراجز:
لتقربن قرباً جلذياً ... ما دام فيهن فصيل حيا
فقد أفادك معنىً بقوله فيهن. ولو حذف فيهن لكان هاهنا معنى آخر، وهو معنى الأبد كقولك: لا أكلمك ما طار طائر.
واعلم أن الشعراء يضطرون، فيجعلون الاسم نكرة، والخبر معرفة. وإنما حملهم على ذلك معرفتهم أن الاسم والخبر يرجعان إلى شيء واحد. فمن ذلك قول حسان بن ثابت:
كأن سلافة من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء
وكان المازني يروي: يكون مزاجها عسلاً وماء. يريد: وفيه ماء.
قال الفرزدق:
أسكران كان ابن المراغة إذ هجا ... تميماً بجوف الشام أم متساكر
وقال القطامي:
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
229 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق