قفي قبل التفرق يا ضباعاً ... ولا يك موقف منك الوداعا
وقال خداش بن زهير:
فإنك لا تبالي بعد حول ... أظبي كان أمك أم حمار
وكان موضع آخر لا يحتاج فيه إلى الخبر. ولك قولك: أنا أعرفه مذ كان زيد، أي: مذ خلق. وتقول: قد كان الأمر، أي وقع. فمن ذلك قول الله عز وجل: " إلا أن تكون تجارة حاضرة " فيمن رقع. قال الشاعر:
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
وكذلك أصبح، وأمسى: تكون مرة بمنزلة كان التي لها خبر. ومرة تكون بمنزلة استيقظ، ونام فإنما هي أفعال. وقد يكون لفظ الفعل واحداً وله معنيان أو ثلاثة معان، فمن ذلك: وجدت عليه، من من الموجدة، ووجدت تريد: وجدت الضالة، ويكون من وجدت في معنى علمت. وذلك قولك: وجدت زيداً كريماً.
وكذلك رأيت: تكون من رؤية العين، وتكون من العلم كقوله عز وجل: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " .
وقال الشاعر:
رأيت الله أكبر كل شيء ... محافظةً وأكثرهم جنودا
وهذا التصرف في الأفعال أكثر من أن يحصى، ولكن يؤتى منه ببعض ما يستدل به على سائره إن شاء الله.
هذا باب
مسائل كان وأخواتها
تقول: كان القائم إليه أخوه أخاك. وإن شئت نصبت الأول ورفعت الثاني. وتقول: كان ثوبك المزينه علمه عبد الله معجباً. وتقول: كان غلامه زيد ضارباً. فهو على وجه خطأ، وعلى وجه صواب: فأما الوجه الفاسد فأن تجعل زيداً مرتفعاً بكان، وتجعل الغلام منتصباً بضارب. فتكون قد فصلت بين كان وبين اسمها وخبرها بالغلام، وليس هو لها باسم ولا خبر، نما هو مفعول مفعولها. وكذلك لو قلت: كانت زيداً الحمى تأخذ.
والوجه الذي يصح فيه أن تضمر في كان الخبر أو الحديث، أو ما أشبهه على شريطة التفسير، ويكون ما بعده تفسيراً له. فيكون مثل الهاء التي تظهر في إن إلا أنه ضمير مرفوع، فلا يظهر، فيصير الذي بعده مرفوعاً بالابتداء والخبر. فتقول على صحة المسألة: كان غلامه زيد ضارب. فما جاء من الضمير في هذا الباب قوله:
فأصبحوا والنوى عالى معرسهم ... وليس كل النوى يلقى المساكين
أضمر في ليس.
وقال الآخر:
هي الشفاء لدائي إن ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول
وقال الفرزدق:
قنافذ هداجون حول بيوتهم ... بما كان إياهم عطية عودا
فهذا وجه ما ذكرت لك.
وتقول: الكائن أخاه غلامك كان زيداً يضرب؛ كما تقول: عمرو كان زيداً يضرب.
ولو قلت: غلامه كان زيد يضرب كان جيداً أن تنصب الغلام بيضرب؛ لأنه كل ما جاز أن يتقدم من الأخبار جاز تقديم مفعوله.
وكذلك لو قلت: غلامه كان زيد ضرب لكان جيداً؛ لأن كان بمنزلة ضرب. ألا ترى أنك تقول: ضارباً أخاك ضربت، ورجلاً قائماً أكرمت. فهذا بمنزلة ذلك، ولو رفعت الغلام لكان غير جائز، لأنه إضمار قبل الذكر.
فإن قال قائل: فأنت إذا نصبت فقد ذكرته قبل الاسم.
قيل له: إذا قدم ومعناه التأخير فإنما تقديره والنية فيه أن يكون مؤخراً. فإذا كان في موضعه لم يجز أن ينوى به غير موضعه.
ألا ترى أنك تقول: ضرب غلامه زيد؛ لأن الغلام في المعنى مؤخر، والفاعل في الحقيقة قبل المفعول.
ولو قلت: ضرب غلامه زيداً كان محالاً؛ لأن الغلام في موضعه. لا يجوز أن ينوى به غير ذلك الموضع.
وعلى هذا المعنى تقول: في بيته يؤتى الحكم، لأن الظرف حده أن يكون بعد الفاعل.
وما لم يسم فاعله بمنزلة الفاعل، وعلى هذا تقول: ضربته زيد، وفي داره عبد الله؛ لأن هذا إخبار، وحد المبتدأ أن يكون قبلهما.
وحد الظرف أن يكون بعد المفعول به، ومن ثمة جاز: لقيت في داره زيد.
قال الشاعر:
إن تلق يوماً على علاته هرماً ... تلق السماحة منه والندى خلقا
ولو قلت: كان الكائن أخواه قائمين منطلقاً أبواه كان جيداً. أفردت الانطلاق بأبويه.
ويجوز في هذه المسألة: كان الكائن أخواه قائمان منطلقاً أبواه. إذا جعلت اسمه مستكناً في الكائن، ف أخواه قائمان وإن كان ابتداء وخبراً فموضعهما خبر، كأنك قلت؛ كان الكائن هو أخواه قائمان منطلقاً أبواه. يكون في الكائن اسمها. ولو قلت: منطلقان أبواه جاز؛ لأنك أردت: كان هذا الرجل أبواه منطلقان، فجعلت المنطلقين خبراً مقدماً.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
230 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق