ألا ترى أنك تقول: ما جاءني من رجل، ولا تقول: ما جاءني من زيد؛ لأن رجلاً في موضع الجميع، ولا يقع المعروف هذا الموقع؛ لأنه شيء قد عرفته بعينه.
ألا ترى أنك تقول: عشرون درهماً، ولا تقول: عشرون الدرهم؛ لأن درهماً في موضع جميع. إنما تريد به من الدراهم.
وكذلك: هذا أول رجل جاءني، إنما هو أول الرجال إذا عدوا رجلاً رجلاً، وكل رجل يأتيك فله درهم فهذا موضع هذا.
وأما قولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم، وذهب الناس بالشاء والبعير فليس من هذا الباب. إنما هو تعريف الجنس. ألا ترى أن الرجل يعطيك ديناراً واحداً فتقول: أنا لا أقبل منك الدنانير. وكذلك لو أعطاك ثوباً قلت: فلان يبرني بالثياب. إنما تريد الواحد من هذا الجنس المعروف.
ونظير قولك: أهلك الناس الدينار والدرهم وأنت تريد الجميع قول الله عز وجل: " إن الإنسان لفي خسر " فإنما معناه والله أعلم : الناس. ألا تراه قال: " إلا الذين آمنوا " ، ولا يستثنى من الشيء إلا بعضه.
وأما إلى فإنما هي للمنتهى ألا ترى أنك تقول: ذهبت إلى زيد، وسرت إلى عبد الله، ووكلتك إلى الله. وحتى مثلها، ولكن تركنا ذكرها ها هنا لنفرد لها باباً.
وأما في فإنما هي للوعاء؛ نحو: زيد في الدار، واللص في الحبس، فهذا أصله.
وقد يتسع القول في هذه الحروف، وإن كان ما بدأنا به الأصل؛ نحو قولك: زيد ينظر في العلم، فصيرت العلم بمنزلة المتضمن. وإنما هذا كقولك: قد دخل عبد الله في العلم، وخرج مما يملك.
ومثل ذلك: في يد زيد الضيعة النفيسة. وإنما قيل ذلك؛ لأن ما كان محيطاً به ملكه بمنزلة ما أحيطت به يده.
ورب معناها الشيء يقع قليلاً، ولا يكون ذلك الشيء إلا منكوراً؛ لأنه واحد يدل على أكثر منه كما وصفت لك، ولا تكون رب إلا في أول الكلام لدخول هذا المعنى فيها. وذلك قولك: رب رجل قد جاءني، ورب إنسان خير منك.
وأما الكاف الزائدة فمعناها التشبيه؛ نحو: عبد الله كزيد، وإنما معناه: مثل زيد، وما أنت كخالد.
فلذلك إذا اضطر الشاعر جعلها بمنزلة مثل، وأدخل عليها الحروف؛ كما تدخل على الأسماء. فمن ذلك قوله:
وصاليات ككما يؤثفين
فدخلت الكاف على الكاف؛ كما تدخل على مثل في قوله عز وجل: " ليس كمثله شيء " . وقال الآخر:
فصيروا مثل كعصف مأكول
ووقعت فاعلة، ومفعولة على هذا المعنى، وذلك قوله:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
فالكاف ها هنا في معنى مثل. إنما أراد: شيء مثل الطعن.
وقال الأخطل:
قليل غرار النوم حتى تقلصوا ... على كالقطا الجوني أفزعها الزجر
أراد مثل القطا.
وأما الباء فمعناه الإلصاق بالشيء، وذلك قولك: مررت بزيد. فالباء ألصقت مرورك بزيد، وكذلك: لصقت به، وأشمت الناس به.
ومنذ في الأيام والليالي لابتداء الغايات بمنزلة من في سائر الأسماء. وذلك قولك لم أره منذ يومين، فالغاية في الرؤية مما يلي أول اليومين.
واللام الزائدة معناها الملك، والتحقيق.
وأما الأسماء المضافة إلى الأسماء بأنفسها فتدخل على معنى اللام، وذلك قولك: المال لزيد. كقولك: مال زيد، وكما تقول: هذا أخ لزيد، وجار لزيد، وصاحب له، فهذا بمنزلة قوله: جاره وصاحبه. فلا فصل بينهما إلا أن اللام إذا حالت بين الاسمين لم يكن الأول معرفة بالثاني من أجل الحائل. فإذا أضفت الاسم إلى الاسم بعده بغير حرف كان الأول نكرة ومعرفة بالذي بعده.
فإذا أضفت اسماً مفرداً إلى اسم مثله مفرد أو مضاف صار الثاني من تمام الأول، وصارا جميعاً اسماً واحداً، وانجر الآخر بإضافة الأول إليه، وذلك قولك: هذا عبد الله، وهذا غلام زيد، وصاحب عمرو. ولا تدخل في الأول ألفاً ولاماً، وتحذف منه التنوين. وذلك أن التنوين زائد في الاسم، وكذلك الإضافة والألف واللام، فلا يحتمل الاسم زيادتين.
ألا ترى أنك تقول: هذا غلام فاعلم. فإن زادت الألف واللام قلت: هذا الغلام يا فتى، وكذلك إن أدخلت الإضافة قلت: هذا غلام زيد، وهذه ثلاثة دراهم.
فإن أردت تعريف الأول عرفت الثاني؛ لأنه إنما يكون الأول معرفة بما أضفته إليه.
ألا ترى أنك تقول: هذا غلام رجل، فيكون نكرة. فإذا أردت تعريفه قلت: هذا غلام الرجل، وهذا صاحب المال.
وكذلك هذه ثلاثة الأثواب، وخمسة الدراهم. ومثل ذلك قول الشاعر:
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
237 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق