وتقول: ما أبو هند قائماً، ولا منطلقةً أمه، على ما وصفت لك. ولو قلت: ما أبو هند قائماً، ولا منطلقة أمها كان خطأ؛ لأنك لم ترد إلى الأب شيئاً، وهو الذي عنه تخبر وإنما جئت بالهاء لغيره.
ألا ترى أنك لا تقول: ما أبو هند منطلقة أمها.
فأما قول الشاعر:
فليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحاً ولا مستنكر أن تعقرا
فإن هذا البيت إنما جاء في ليس، وليس تقديم الخبر وتأخيره فيها سواء. ولكنا نشرحه على ما يصلح مثله في ما وما يمتنع: إنما كان في ذكر الخيل فقال: فليس بمعروف لنا أن نردها، أي فليس بمعروف لنا ردها. ف ردها اسم ليس، وبمعروف لنا الخبر. ثم قال: ولا مستنكر أن تعقرا، وتأويله: ولا مستنكر عقرها. فهذا لا يكون إلا منقطعاً عن الأول؛ لأن العقر مضاف إلى ضمير الخيل، وليس يرجع إلى الرد، والرد غير الخيل. فهذا بمنزلة قولك: ما أبو زينب قائماً، ولا ذاهبة أمها؛ لأن الأم ترجع إلى زينب لا إلى من خبر عنه وهو الأب.
ولو قلت في ليس خاصة: ولا مستنكراً أن تعقرا، على الموضع كان حشناً؛ لأن ليس يقدم فيها الخبر، فكأنك قلت: ليس بمنطلق عمرو، ولا قائماً بكر، على قولك وليس قائماً بكر.
وأما الخفض فيمتنع؛ لأنك تعطف بحرف واحد على عاملين، وهما الباء وليس. فكأنك قلت: زيد في الدار، والحجرة عمرو. فتعطف على في والمبتدأ.
وكان أبو الحسن الأخفش يجيزه. وقد قرأ بعض القراء: " واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون " فعطف على إن وعلى في. وهذا عندنا غير جائز.
ومثل البيت المتقدم قوله:
هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
لأن المأمور راجع إلى الأمور. ومنهيها بعضها.
فالرفع على مثل قولك: ليس زيد قامتاً، ولا عمرو منطلق، قطعته من الأول، وعطفت جملة على جملة. والنصب قد فسرناه على الموضع.
وكان سيبويه يجيز الجر في هذا وفي الذي قبله، فيقول: ولا قاصر، ولا مستنكر ويذهب إلى أن الرد متصل بالخيل، وأن المنهي متصل بالأمور، فإذا رد إلى المنهي، فكأنه قد رد إلى الأمور، ويحتج بهذه الأبيات التي أذكرها، وهي قول الشاعر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
فأنث؛ لأن الصدر من القناة. وكذلك قوله:
لما أتى خير الزيبر تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
ومثله:
مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم
ومثله:
إذا مر السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
وفي كتاب الله عز وجل: " فظلت أعناقهم لها خاضعين " ومثل هذا كثير جداً.
وليس القول عندي كما ذهب إليه، وسنفصل بين هذا وبين ما ذكر إن شاء الله.
أما قوله: " فظلت أعناقهم لها خاضعين " ففيه قولان: أحدهما: أنه أراد بأعناقهم جماعاتهم. من قولك: أتاني عنق من الناس، أي جماعة وإلى هذا كان يذهب بعض المفسرين، وهو رأي أبي زيد الأنصاري.
وأما ما عليه جماعة أهل النحو، وأكثر أهل التفسير فيما أعلم فإنه أضاف الأعناق إليهم، يريد الرقاب، ثم جعل الخبر عنهم؛ لأن خضوعهم بخضوع الأعناق. ومن ذلك قول الناس: ذلت عنقي لفلان، وذلت رقبتي لك. قال عمارة:
فإني امرؤ من عصبة خندقية ... أبت للأعادي أن تذيخ رقابها
جعل للأعادي تبييناً، ولم يدخله في صلة أن.
وأما قوله: كما شرقت صدر القناة من الدم: فإن صدر القناة قناة، وكذلك سور المدينة؛ لأنها إنما مدنت بسورها.
وأما قوله:
طول الليالي أسرعت في نقضي
فإن الطول غير منفكة الليالي منه. فتقديره: الليالي أسرعت في نقضي.
وقريب منه قوله:
رأت مر السنين أخذن مني
لأن السنين إنما تعقل. بمرورها وتصرفها.
والذي قال خارج من هذا؛ لأنه إنما يجوز أن تخبر عن المضاف إذا ذكرت المضاف إليه إذا كان الأول بعضه، أو كان المعنى مشتملاً عليه. فأما قوله:
فليس بمعروف لنا أن نردها
فإن الرد غير الخيل، والعقر راجع إلى الخيل في قوله:
ولا مستنكر أن تعقرا
فليس بمتصل بشيء من الرد، ولا داخل في المعنى. فأما قوله:
فليس بآتيك منهيها
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
248 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق