ولو قلت: لأضربن الرجل لم يكن إلا واحداً معلوماً بعينه، إلا أن هذا لا يكون إلا على معهود. فأعربت النكرة؛ لأنها في بابها لم تخرجها منه. ومع هذا أن التنوين الذي فيه مانع من البناء، كما كان ذلك في المضاف.
ومن جعل قبل وبعد نكرتين نون، وأجراهما على وجوه الإعراب. وقد قرأ بعض القراء " لله الأمر من قبل ومن بعد " .
فمن جعلهما نكرتين فتقديره والله أعلم لله الأمر أولاً وآخراً.
ومن جعلهما معرفتين فتقدير ذلك: قبل ما نعلم وبعجه، وقبل كل شيء وبعده. تقول: يا زيد وعمرو أقبلا، ويا هند وزيد أقبلا. تجري كل مفرد معرفة وإن اختلفت أجناسه مجرى واحداً؛ لأن النداء يخرجه إلى طريقة واحدة.
فإن نعت مفرداً بمفرد فأنت في النعت بالخيار: إن شئت رفعته، وإن شئت نصبته.
تقول: يا زيد العاقل أقبل، ويا عمرو الظريف هلم. وإن شئت قلت: العاقل، والظريف. أما الرفع فلأنك أتبعته مرفوعاً.
فإن قال: فهذا المرفوع في موضع منصوب فلم لا يكون بمنزلة قولك: مررت بعثمان الظريف؟ لم تتبعه الاسم لأن الاسم في موضع مخفوض وأنه منعه أنه لا ينصرف، فجرت صفته على ما كان ينبغي أن يكون عليه؟ فالفصل بينهما اطراد البناء في كل منادى مفرد حتى يصير البناء علة لرفعه. وإن كان ذلك الرفع غير إعراب، وليس كل اسم ممنوعاً من الصرف.
فمن ذلك قوله:
يا حكم الوارث عن عبد الملك
فهو الأكثر في الكلام. وأما النصب فعلى الموضع؛ لأن موضع زيد منصوب.
فتقدير هذا إذا رفعت تقدير قولك: ليس زيد بقائم، ولا قاعد على اللفظ وإن كانت الباء زائدة. وتقدير المنصوب تقدير قولك: ليس زيد بقائم، ولا قاعداً حملت قاعداً على الموضع إلا أن هذا معرب في موضعه وزيد مبني في النداء، ولكني مثلت لك بما اختلف وجهاه كاختلاف نعت زيد المفرد ومما جاء من نعت المنادى المفرد منصوباً قول جرير:
فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
وإذا نعت مفرداً بمضاف لم يكن المضاف إلا منصوباً تقول: يا زيد ذا الجمة، ويا زيد غلام عمرو.
والفصل بين هذا وبين المفرد أنك إذا نعت شيئاً بشيء فهو بمنزلته لو كان في موضعه. فقولك: مررن بزيد الظريف كقولك: مررت بالظريف، وكذلك مررت بعمرو العاقل.
فأنت إذا قلت: يا زيد الظريف فتقديره: يا ظريف على ما حددت لك.
وقولك: يا زيد ذا الجمة، بمنزلة: يا ذا الجمة. فلذلك لم يكن المضاف إذا كان نعتاً إلا نصباً.
أما المضاف المنادى فنعته لا يكون إلا نصباً، مفرداً كان أو مضافاً، وذلك قولك: يا عبد الله العاقل؛ لأنك إن حملته على اللفظ. فهو منصوب، والموضع موضع نصب. فأما قوله:
إني وأسطار سطرن سطرا ... لقائل: يا نصر نصر نصرا
فإن هذا البيت ينشد على ضروب: فمن قال: يا نصر نصراً نصراً فإنه جعل المنصوبين تبييناً لمضموم، وهو الذي يسميه النحويون عطف البيان، ومجراه مجرى الصفة، فأجراه على قولك: يا زيد الظريف وتقديره تقدير قولك: يا رجل زيداً أقبل. جعلت زيداً بياناً للرجل على قول من نصب الصفة.
وينشد: يا نصر نصر نصراً. جعلهما تبييناً، فأجرى أحدهما على اللفظ، والآخر على الموضع؛ كما تقول: يا زيد الظريف العاقل، ولو حمل العاقل على أعني كان جيداً.
ومنهم من ينشد: يا نصر نصر نصراً. يجعل الثاني بدلاً من الأول، وينصب الثاني على التبيين. فكأنه قال: يا نصر نصراً.
وأما الأصمعي فزعم أن هذا الشعر: " يا نصر نصراً نصراً " وأنه إنما يريد: المصدر؛ أي: انصرني نصراً.
وقال أبو عبيدة: هذا تصحيف إنما قاله لنصرين سيار: يا نصر نصراً نصراً إغراء، أي: عليك نصرا، يغريه به.
اعلم أن البدل في جميع العربية يحل محل المبدل منه، وذلك قولك: مررت برجل زيد، وبأخيك أبي عبد الله. فكأنك قلت: مررت بزيد، ومررت بأبي عبد الله. فعلى هذا تقول: يا زيد أبا عبد الله، فتنصب أبا عبد الله نعتاً كان أو بدلاً؛ لأنك إذا أبدلته منه فكأنك قلت: يا أبا عبد الله. وتقول: يا أخانا زيداً أقبل؛ لأن البيان يجري مجرى النعت. فكأنك قلت: يا أخانا الظريف أقبل. لا يكون في الظريف إلا النصب، ولا في زيد إذا كان تبييناً.
واعلم أن المعطوف على الشيء يحل محله؛ لأنه شريكه في العامل. نحو: مررت بزيد وعمرو، وجاءني زيد وعمرو.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
250 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق