ولا يجوز عنده وصفه. ولا أراه كما قال؛ لأنها إذا كانت بدلاً من يا فكأنك قلت: يا الله، ثم تصفه؛ كما تصفه في هذا الموضع.
فمن ذلك قوله: " قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة " .
وكان سيبويه يزعم أنه نداء آخر كأنه قال: يا فاطر السموات والأرض.
واعلم أن الاسم لا ينادى وفيه الألف واللام، لأنك إذا ناديته فقد صار معرفة بالإشارة بمنزلة هذا، وذاك، ولا يدخل تعريف على تعريف؛ فمن ثم لا تقول: يا الرجل، تعال.
وأما قولهم يا ألله اغفر فإنما دعى وفيه الألف واللام؛ لأنهما كأحد حروفه. ألا ترى أنهما غير بائنتين منه. وليستا فيه بمنزلتهما في الرجل؛ لأنك في الرجل تثبتهما وتحذفهما، وهما في اسم الله ثابتتان. وهو اسم علم.
وزعم سيبويه أن أصل هذا: إلاه. وأن الألف واللام بدل من همزة إله، فقد صارا بمنزلة ما هو من نفس الحرف إذ كانا بدلاً منه وإنما إثباتهم الألف في قولهم: يا ألله فكما ثبت من ألف الاستفهام في قولك: آلرجل قال ذاك؟. وهذا يبين في موضع ألفات القطع والوصل إن شاء الله.
وليس هذا الاسم بمنزلة الذي والتي، لأنهما نعت بائن من الاسم.
وقد اضطر الشاعر فنادى بالتي؛ إذ كانت الألف واللام لا تنفصلان منها، وشبه ذلك بقولك: يا ألله اغفر لي فقال:
من اجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عني
كما اضطر فأدخل يا في اللهم لما كان العوض في آخر الاسم فقال:
إني إذا ما حدث ألما ... دعوت يا اللهم يا اللهما
وأما هذا البيت الذي ينشده بعض النحويين:
فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تكسبانا شرا
فإن إنشاده على هذا غير جائز، وإنما صوابه: فيا غلامان اللذان فرا؛ كما تقول: يا رجل العاقل، أقبل.
وأما قولهم: يا صاح أقبل، فإنما رخموه لكثرته في الكلام؛ كما رخموا ما فيه هاء التأنيث إذ قالوا: يا نخل ما أحسنك، يريد: يا نخلة، فرخم قال الشاعر:
صاح هل أبصرت بالخيتين من أسماء نارا
يريد: صاحب، فأسقط النداء، ورخم النكرة.
هذا باب
المضاف إلى المضمر في النداء
اعلم أن إضافة المنادى إلى الكاف التي تقع على المخاطب محال. وذلك لأنك إذا قلت: يا غلامك أقبل، فقد نقضت مخاطبة المنادى بمخاطبتك الكاف.
فإن أضفت إلى الهاء صلح على معهود؛ كقول القائل إذ ذكر زيداً: يا أخاه أقبل، ويا أباه، ونحو ذلك، وكذلك: يا أخانا، ويا أبانا.
فأما في الندبة فيجوز يا غلامك، ويا أخاك؛ لأن المندوب غير مخاطب، وإنما هو متفجع عليه، وهذا يحكم في باب الندبة إن شاء الله.
فإن أضفت المنادى إلى نفسك ففي ذلك أقاويل: أجودها حذف الياء، وذلك كقولك: يا غلام أقبل، ويا قوم لا تفعلوا، ويا جاريت أقبلي. قال الله عز وجل: " يا قوم لا أسألكم عليه أجراً " ، وقال: " يا عباد فاتقون " .
وكذلك كل ما كان في القرآن من ذا. كقوله: " رب لا تذر على الأرض " و " رب إني أسكنت من ذريتي " . وإنما كان حذفها الوجه؛ لأنها زيادة في الاسم غير منفصلة منه معاقبة للتنوين حالة في محله، فكان حذفها ها هنا كحذف التنوين من قولك: يا زيد، ويا عمرو، وكانت أحرى بذلك؛ إذ كانت تذهب في الموضع الذي يثبت فيه التنوين. وذلك إذا التقى ساكنان وهي أحدهما. تقول جاءني غلامي العاقل، وجاءني زيد العاقل، فتحرك التنوين لالتقاء الساكنين، وتحذف الياء لالتقاء الساكنين، ومع ذا فإن الياء والكسرة تستثقلان، والكسرة تدل على الياء، فإذا حذفتها دلت عليها كسرتها، وأوضحت لك المعنى. فهذا القول المختار.
والقول الثاني أن تثبتها فتقول: يا غلامي أقبل، ويا صاحبي هلم، وقد قرئ: " يا عبادي فاتقون " .
وحجة من أثبتها أنها اسم بمنزلة زيد. فقولك: يا غلامي بمنزلة: يا غلام زيد، فلما كانت اسماً، والمنادى غيرها ثبتت. ومع هذا أنه من قال: يا غلام في الوصل فإنما يقف على الميم ساكنة، فيلتبس المفرد بالمضاف، وإن رام الحركة فإن ذلك دليل غير بين؛ لأنه عمل كالإيماء. فمن ذلك قوله:
فكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا
والوجه الثالث أن تثبت الياء متحركة. تقول: يا غلامي أقبل، ويا صاحبي هلم، فتثبت الياء على أصلها، وأصلها الحركة.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
255 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق