والدليل على ذلك أنها اسم على حرف، ولا يكون اسم على حرف إلا وذلك الحرف متحرك لئلا يسكن وهو على أقل ما يكون عليه الكلم فيختل. ألا ترى أن الكاف متحركة من ضربتك، ومررت بك، وقمت، وقمت يا فتى، وقمت يا امرأة، التاء متحركة لأنها اسم.
فأما الألف في ضربا، ويضربان، والواو في ضربوا، ويضربون، والياء في تضربين فتلك في درج الكلام، وليست في موضع هذه التي تقع موقع الظاهرة؛ لأنها جعلت بحذاء الحركات التي يعرب بها كالضمة والفتحة والكسرة.
ألا ترى أن قولك: قمت التاء في موضع زيد إذا قلت: قام زيد، وكذلك ضربتك الكاف في موضع زيداً إذا قلت: ضربت زيداً، وكذلك هذه الياء.
وإنما كانت حركتها الفتحة؛ لأن هذه الياء تكسر ما قبلها. تقول: هذا غلامي، ورأيت غلامي، فتكسر المرفوع والمنصوب. والياء المكسور ما قبلها لا يدخلها خفض ولا رفع لثقل ذلك، نحو ياء القاضي، ويدخلها الفتح في قولك: رأيت القاضي؛ فلذلك بنيت هذه الياء على الفتح.
وإنما جاز إسكانها في قولك: هذا غلامي، وزيد ضربني؛ لأن ما قبلها معها بمنزلة شيء واحد، فكان عوضاً مما يحذف منها، والحركات مستثقلة في حروف المد واللين؛ فلذلك أسكنت استخفافاً.
فمما حركت فيه على الأصل قول الله عز وجل: " يا ليتني لم أوت كتابه، ولم أدر ما حسابيه " حركت الياء على الأصل، وألحقت الهاء لبيان الحركة في الوقف.
فإن وصلت حذفتها؛ لأن حركة الياء تظهر في ماليه وسلطانيه، وما كان مثل هذا إنما هو بمنزلة قولك " فبهداهم اقتده " فإن وصلت حذفت. وكذلك يقرأ: " لكم دينكم ولي دين " على الإسكان والحركة.
فإن كان ما قبل هذه الياء ساكناً فالحركة فيها لا غير لئلا يلتقي ساكنان، وذلك قولك: هذه عشري يا فتى، وهذه رحاي فاعلم. و " يا بني لا تدخلوا من باب واحد " حذفت النون للإضافة، وأدغمت الياء التي كانت في ياء الإضافة. فحركت ياء الإضافة لئلا يلتقي ساكنان على أصلها، وكذلك قولك: " هي عصاي أتوكأ عليها " لا يكون إلا ذلك لما ذكرت لك من سكون ما قبلها.
وأما قوله: " يا بني إنها إن تك " فإنما أضاف قوله بني فاعلم، الياء ثقيلة فتصرف في الكلام؛ لأن الواو والياء إذا سكن ما قبل كل واحد منهما جريا مجرى غير المعتل. نحو: دلو، وظبي، ومغزو، ومرمي. لا يكون ذلك إلا معرباً.
هذا باب
ما لا يجوز فيه إلا إثبات الياء
وذلك إذا أضفت اسماً إلى اسم مضاف إليك. نحو قولك: يا غلام غلامي، ويا صاحب صاحبي، ويا ضارب أخي، وإنما كان ذلك كذلك؛ لأنك إنما حذفت الأول كحذفك التنوين من زيد، فكان يا غلام بمنزلة يا زيد. فإذا قلت: يا غلام زيد لم يكن في زيد إلا إثبات النون؛ لأنه ليس بمنادى، فكذلك يا غلام غلامي.
قال الشاعر:
يا ابن أمي، ويا شقيق نفسي ... أنت خليتني لدهر شديد
وقال آخر:
يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تد عو تميماً وأنت غير مجاب
فهذا حكم جميع هذا الباب، ومجراه أن تثبت الياء في كل موضع يثبت فيه التنوين في زيد، ونحوه.
وأما قولهم: يا ابن أم، ويا ابن عم فإنهم جعلوهما اسماً واحداً بمنزلة خمسة عشر، وإنما فعلوا ذلك لكثرة الاستعمال.
ألا ترى أن الرجل منهم يقول لمن لا يعرف، ولمن لا رحم بينه وبينه: يا ابن عم، ويا ابن أم حتى صار كلاماً شائعاً مخرجاً عمن هو له فلما كان كذلك خفف، فجعل اسماً واحداً. قال الله عز وجل: " يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي " ولم يكن ذلك في غير هذا؛ إذ لم يكن فيه من الاستعمال ما في هذا.
وقد قالوا: يا ابن أم لا تفعل. وذلك أنه لما جعلهما اسماً واحداً صارت بمنزلة زيد، ثم أضافه كما تضيف زيداً فتقول: يا زيد لا تفعل.
ومن أثبت الياء في زيد أثبتها ها هنا، إلا أن الأجود إذا أثبتت الياء أن يكون إثباتها كإثبات الياء في قولك: يا غلام غلامي، فتجعل ابناً مضافاً إلى مضاف إلى الياء.
والوجه الآخر جائز على ما وصفت لك. وأما قول رؤبة:
إما تريني اليوم أم حمز ... قاربت بعد عنقي وجمزى
فليس من هذا، ولكنه قدر حمزة أولاً مرخماً على قولك: يا جار، فجعله اسماً على حياله، فأضاف إليه؛ كما تضيف إلى زيد. وجملة هذا الباب على ما صدرنا به.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
256 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق