وكذلك بالألف واللام إلا أن ما كان من هذا بالألف واللام فهو شيء معروف. تقول: كان زيد القائم، أي كان زيد ذلك الذي رأيته قائماً. وإن قلت: كان زيد قائماً لم تقصد إلى واحد رأيته قبل قائماً.
واعلم أن البدل في الكلام يكون على أربعة أضرب: فضرب من ذلك أن تبدل الاسم من الاسم إذا كانا لشيء واحد، معرفتين كانا، أو معرفة ونكرة، أو مضمراً ومظهراً أو مضمرين أو مظهرين، وذلك نحو قولك: مررت بأخيك زيد. أبدلت زيداً من الأخ. نحيت الأخ، وجعلته في موضعه في العامل، فصار مثل قولك: مررت بزيد. وإنما هو في الحقيقة تبيين. ولكن قيل بدل؛ لأن الذي عمل في الذي قبله قد صار يعمل فيه بأن فرغ له.
ولم يجز أن يكون نعتاً؛ لأن زيداً ليس مما ينعت به. فإن قلت: مررت بزيد أخيك جاز في الأخ أن يكون بدلاً، وأن يكون نعتاً، والنعت أحسن؛ لأنه مما ينعت به، والبدل جيد بالغ؛ لأنه هو الأول. فهذا شأن المعرفتين.
فأما المعرفة والنكرة. فإن أبدلت معرفة من نكرة قلت: مررت برجل زيد ومررت بذي مال أخيك. قال الله عز وجل: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله " . فهذا بدل المعرفة من النكرة.
وفي المعرفتين قوله: " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم " .
وفي بدل النكرة من المعرفة قوله: مررت بزيد صاحب مال، ومررت بالرجل رجل صالح. قال الله عز وجل: " كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية ناصية " .
فأما المضمر والمظهر فكقولك: زيد مررت به أخيك. وتقول: رأيت زيداً إياه، وأخوك رأيته زيداً، والمضمران: رأيتك إياه. فهذا ضرب من البدل.
والضرب الآخر أن تبدل بعض الشيء منه؛ لتعلم ما قصدت له، وتبينه للسامع. وذلك قولهم: ضربت زيداً رأسه. أردت أن تبين موضع الضرب منه، فصار كقولك: ضربت رأس زيد.
ومنه: جاءني قومك أكثرهم. بينت من جاءك منهم. قال الله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً " من في موضع خفض؛ لأنه على من استطاع إليه سبيلاً.
ومن ذلك إلا أنه أعيد معه حرف الخفض: " قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم " . كان أيضاً جيداً كالآية التي ذكرنا قبل. فهذان ضربان.
والضرب الثالث أن يكون المعنى محيطاً بغير الأول الذي سبق له الذكر لالتباسه بما بعده، فتبدل منه الثاني المقصود في الحقيقة. وذلك قولك: مالي بهم علم أمرهم، فأمرهم غيرهم. وإنما أراد : مالي بأمرهم علم. فقال: مالي بهم علم وهو يريد أمرهم. ومثل ذلك: أسألك عن عبد الله متصرفه في تجارته؛ لأن المسألة عن ذلك. قال الله عز وجل: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " لأن المسألة عن القتال، ولم يسألوا أي الشهر الحرام؟ وقال: " قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود " لأنهم أصحاب النار التي أوقدوها في الأخدود. قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم
لأنه أراد ثواءه حولاً.
فهذه ثلاثة أوجه تكون في القرآن وفي الشعر وفي كل كلام مستقيم.
ووجه رابع لا يكون مثله في قرآن، ولا شعر، ولا كلام مستقيم وإنما يأتي في لفظ الناسي أو الغالط. وذلك قولك: رأيت زيداً داره، وكلمت زيداً عمراً، ومررت برجل حمار. أراد أن يقول: مررت بحمار فنسي ثم ذكر، فنحى الرجل، وأوصل المرور إلى ما قصد إليه، أو غلط، ثم استدرك. فهذه أربعة أوجه في البدل.
ولو قال في هذا الموضع: مررت برجل بل حمار، ولقيت زيداً بل عمراً كان كذلك إلا أن بل، ولا بل من حروف الإشراك، وقد ذكرنا أحوالها فيما تقدم.
واعلم أن المعارف توصف بالمعارف. فإن وقع بعدها شيء نكرة، والعامل فعل أو شيء في معناه انتصبت النكرة على الحال، ونحن واصفو ذلك في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله.
هذا باب
الحالات والتبيين وتفسير معناهما
اعلم أنه لا ينتصب شيء إلا على أنه مفعول، أو مشبه بالمفعول في لفظ أو معنى. والمفعول على ضروب: فمن ذلك المصدر، وهو اسم الفعل، وهو مفعول صحيح؛ لأن الإنسان يفعل، واسم فعله ذلك المصدر. تقول: ضربت ضرباً، وقمت قياماً. فأنت فعلت الضرب والقيام. ولو قلت: ضربت وقمت لدللت على أنك فعلت الضرب والقيام، وكذلك كل فعل تعدى أو لم يتعد.
Post Top Ad
الاثنين، 22 مارس 2021
264 كتاب المقتضب للمؤلف: أبو العباس محمد بن يزيد المبرد الصفحة
التصنيف:
# كتاب المقتضب للمبرد
عن Qurankariim
كتاب المقتضب للمبرد
Tags:
كتاب المقتضب للمبرد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق