2 - عدم خروج القرآن عن إسلوب الكلام العربي في التعبير: فقد أنزله الله بلسان عربي مبين، واللسان العربي – كغيره من ألستة البشر – فيه الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والواضح والخفي وإنما يُتوصل إلى فهم مجازاته واكتشاف ما خفي من عباراته بالقرائن اللفظية وغيرها، وقد يصورون المعاني العقلية بصور المشاهد الحسية؛ لأن النفس للمحسوس آلف والذهن على اكتناهه أقدر، فلذلك كان اللسان العربي طافحًا بالكلمات الدالة في وضعها على المحسوسات لأجل الدلالة بها على المعاني المعقولة كما في قول الشاعر:
وغداة ريح ٍ قد كشفت وقِرّة = إذا أصبحت بيد الشِّمال زمامها
فإنه من البديهيات أنه ليس للغداة زمام ولا للشمال يد، ولكن أُريد باستعمالها تقريب الحقائق المعنوية إلى الأفهام، بحيثُ تتراءى كالمشاهد الحسية، ونحوه قول آخر:
وفي يدك السيف الذي امتنعت به = صفاة الهدى من أن ترق
فتخرقا فانظر كيف جعل للهدى صفاة صلبة يتعذر على المناوي حرقها كشأن الصم الصلاد، تشبيها لما للهدى من قوة معنوية يعجز المكابر أن يقاومها بهواه، وأن ينفذ من خلالها تشبيهاته وأباطيله مع ما يسر الله لذلكم الهدى ممن يحميه بقوة السيف لئلا يحاول أولوا الباطل المساس به.
والقرآن مع كونه في المقام الأرفع بحيث تتعذر مجاراته وتستحيل معارضته هو لم يخرج عن هذا الإسلوب بحيث يُعبر فيه تارة بالحقيقة وأخرى بالمجاز، ويكون مرة واضحا، ومرة خفيا، فلم يُفت المدارك والألباب ويعي القرائح والأفكار إلا لأنه وحي أوحاه الله ليكون ذكرًا للعالمين وحجة على الناس أجمعين، فهو من حيث ظاهره وشكله كسائر الكلام العربي، ومن حيث سره وروحه لا يجاريه غيره بل لا يدانيه لما جعل الله تعالى فيه من نور يتلألأ في مبانيه وروح غيبية تفيض بها معانيه، وبهذا حارت ملكات بلغاء العرب في أمره وتجمدت قرائحهم عن محاولة مباراته والإتيان بحديث مثله.
Post Top Ad
الجمعة، 23 أبريل 2021
الرئيسية
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
24 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
24 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
التصنيف:
# جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
عن MaKtAbA
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق