والذي دعاهم إلى هذا التأويل حرصهم على اعتبار الأرض مما خلق للناس، وأنتم تدرون أن ما فيها كله إذا كان مخلوقا لهم فأحرى أن تكون الأرض كذلك لأن المظروف لا يستقل عن ظرفه، وفي هذا غنى عن قول من قال إن كل جزء من الأرض هو معدود مما فيها فتكون ذات الأرض داخلة في عموم " ما" وقول آخرين: " إن الامتنان بخلق الأرض سابق في قوله تعالى:" الذي جعل لكم الأرض فراشا" ،والامتنان هنا إنما هو بخلق محتوياتها من منافع الناس فيها.
والتعبير بما في الأرض يصدق على ما كان فوقها من الأشجار والتراب والأحجار والبحار والأنهار، وعلى ما كان داخل بطنها سواء كان من الجوامد كأنواع المعادن، أو من السوائل كالنفط، كما تدخل في ذلك أنواع الغاز، فهي جميعا مخلوقة لمنافع البشر، ومهيأة للانتفاع بها.
ولم يقف تكريم الله لهذا الإنسان عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى تسخير منافع الكون لأجله، كما يدل عليه قوله تعالى: { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه } (¬1) ، وإذا كان كتاب ربنا الذي بأيدي المسلمين ينادي بهذا التكريم، ويعلن هذا الامتنان، فإن المسلمين- وهم أبناء هذا القرآن- أحق الناس بتقبل هذا التكريم، وذلك باستغلال هذه المنافع واستخدامها في طاعة الله مستشعرين نعمة الله عليهم، وهذا لا يتم إلا بوسائل العلم، لذلك كانت دراسة العلوم المؤدية إلى استغلال ثروات الطبيعة فرضا كافيا على المسلمين، لما يترتب عليها من قوام شأن الأمة الإسلامية، واستغنائها عن الآخرين، واستغلالها في أمورها المعاشية، وإنما انحراف الأمة عن طريق القرآن واستهانتهم بهذا الواجب هو الذي أدى بهم إلى التفريط وما تبعه من الذل والهوان، ولو أنهم أخذوا بتعاليم دينهم ومراشد كتابهم لكانوا أسبق الأمم في ميادين العلم والعمل.
ودخول ما ذكرته من منافع الأرض في مدلول الآية حاصل من لفظه " ما" لأنها من أدوات العموم كما تقرر في الأصول.
¬__________
(¬1) سورة الجاثية الآية"13".
Post Top Ad
الجمعة، 23 أبريل 2021
الرئيسية
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
426 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
426 جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل لأحمد الخليلي الصفحة
التصنيف:
# جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
عن MaKtAbA
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق