يطبّقوها حتى ولو ضدّ المصلحة العامّة نفسها (¬1) وفي السياق التاريخي الإسلامي نجد أن تطبيق مبدأَي الإجماع والتعاقد قد عُلّق واقعاً، منذ نهاية الدولة الراشدة، وبداية الدولة الأموية. وبالفعل، فإن الخلفاء العرب أنفسهم عُيِّنوا، في بعض الحقب، من قبل عسكريين عثمانيين، في حين طَبّق العُمانيون هذين المبدأين على مستوى الإمامة وعلى مستوى الدولة والمجتمع، بل وفي كلّ الأمور، وذلك منذ القرن الثاني الهجري، (القرن الثامن الميلادي) بعبارة أخرى، امتدّت هذه التجربة العمانية، مع بعض الانقطاع، اثني عشر قرناً. وإذا سلّمنا بأن التطبيق الكامل لمبدأي الشورى والانتخاب الحرّ لزعيم الأُمّة - أي الإجماع والتعاقد - هو جوهر الديمقراطية، فإن الإمامة الإباضية العُمانية يمكن أن تُعَدّ أطول تجربة ديمقراطية في تاريخ الإنسانية. وتلك واقعة يزيد في جدارتها بالملاحظة كونها قد مثلت للعُمانيين مثلاً أعلى خلال القسم الأكبر من تاريخهم إلى حدّ التماهي مع هذا التاريخ نفسه.
إن الفرق الأساسي بين الشرق والغرب إنما هو فرق ثقافي، ويمكن أن يُرَدّ، بالدرجة الأولى، إلى مسألة ذات طبيعة أخلاقيّة قيمية. فالمفروض في الإنسان، في الغرب، أن يحقّق ذاته بتأكيد فرديته وأفعاله، وكذلك من خلال البحث عن السعادة الشخصية وبلوغها. وهذا ما تضمنه له الديمقراطية الحديثة. أمّا في الشرق فإن تحقيق ذات الإنسان غير ممكن التصوّر إلّا من خلال تحقيق أهداف الجماعة أو الأُمّة التي ينتمي إليها وتوفير مقتضياتها (¬2)
¬__________
(¬1) / المرجع السابق، ص 750.
(¬2) / منذ 1930 رأى الفيلسوف الإسلامي محمد إقبال أن الإنسانية تحتاج إلى ثلاثة أمور: تفسير روحي للكون، وتحرير روحي للفرد، ومبادئ أساسية ذات مدى كوني توجه تطور المجتمع البشري على أساس روحي. ويرى أن مثالية أوروبا تصبح، يوماً، عاملاً حياً في حياتها، والنتيجة هي نشوء ( Ego) " أناءُ "، "ذات" فاسد (فاسدة) يبحث عن ذاته من خلال ديمقراطيات متعصبة، تقوم وظيفتها الوحيدة على استغلال الفقراء لصالح الأغنياء. وأوروبا اليوم، كما يقول، أكبر عقبة تعترض تقدم الإنسان الأخلاقي.
Post Top Ad
الجمعة، 18 يونيو 2021
13 عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش الصفحة
التصنيف:
# عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش
عن Qurankariim
عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق