وفي نهاية التحليل، وبقليل من التحرر من التعريفات الدقيقة، يمكننا القول إن الديمقراطية الغربية لا تقدم، بالضرورة، بديلاً نموذجياً يصلح في سائر المجتمعات الأخرى. وبطبيعة الحال لا يعني هذا أنه لا ينبغي الاستفاة من إيجابيات التجارب الغربية وسلبياتها قدر الإمكان بقدر ما تتجاوب ومعطيات كل بلد، فمن النافل أن التجارب والثقافات المتنوعة تراث للإنسانية بكاملها. من جانب آخر، فإن طرح الديمقراطية غالباً ما ارتبط بالعلمانية، ومن هنا يبرز السؤال التالي: ألا تستدعي الديمقراطية، بحكم الواقع، نظاماً علمانياً؟ وأليست العلمانية شرطاً لازماً لسيادة الشعب، سلطته وحريته؟
إن مفهوم العلمانية ليس أحادي المعنى، وهو، فيما يتعلق بالسياسة، يُردّ، بشكل خاصّ، إلى الإنفصال بين الزمني والروحي، بين الكنيسة والدولة. فَتَفْرض العلمانية إذ ذاك، لكي يصحّ أن توصف دولة بها، ألّا تقوم المصادر التشريعية على قانون إلهي، بل أن تقوم على قانون زمني (وضعي) وأّلا يتاح بالتالي، لأية مؤسسة دينية التأثير على إدارة الدولة. وهذا المفهوم للعلمانية، كما هو عليه، لم يظهر إلّا متأخراً في أوروبا الغربية حيث كانت المَلَكية، (المسماة أحياناً، مَلَكيَّة الحقّ الإلهي)، في كلّ أُمّة، تشرف مباشرة على الكنيسة، إلى أن جعلت الثورة الفرنسية من العلمانية، (الحياد الدينيّ)، أحد أُسس المواطنة، ثم أقامت علمانية السلطة بالفصل بين الكنيسة والدولة. وفي هذه الأثناء، أخْلّت القيم الدينية والروحية، في الغرب الحديث، المكانَ الأول للعقل، ل " القانون الطبيعي " وللنمو المادّي للإنسان. وعلى هذا النحو، ومن هذا المنطلق وبإخضاع العلاقات الإنسانية للعقل، افْتُرِض أن الإنسان يصبح مالك أمره و " سيّد مصيره " وما الإنسانية والعالم، بالنسبة إليه، سوى مشروع تاريخي (¬1) إن العلمانية إنتاج تاريخ وثقافة مسيحيين أوروبيين. وإذا كانت العلمانية شرطاً
¬__________
(¬1) / أنظر: فرغوت (أنطوان)، " الدين والعلمانية في أوروبا الغربية "، العلاقات بين الحضارات العربية والأوروبية، (مؤتمر هامبورغ، أبريل 1983)، الدار التونسية، 1985
Post Top Ad
الجمعة، 18 يونيو 2021
8 عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش الصفحة
التصنيف:
# عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش
عن Qurankariim
عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
Post Top Ad
عن المحرر
مرحبا! أنا أسمي محمد أعمل هنا في مدونتي وأشارك معكم كل جديد على الانترنت لتعم الفائدة على الجميع وإثراء المحتوى العربي، يسرني دائمًا تلقي ملاحظاتكم وإستفساراتكم من خلال نموذج الأتصال :)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق